ترامب .. حين تتحول السياسة إلى طاولة صفقات .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم يعد من الممكن قراءة السياسة الخارجية لدونالد ترامب بالأدوات التقليدية التي تفترض أن التحالفات التزامات ثابتة ، وأن الخصومات مواقف دائمة ، وأن القوى الكبرى تتحرك وفق عقائد استراتيجية جامدة لا تتغير بتغير كلفة اللحظة .
الرئيس ترامب يتعامل مع السياسة باعتبارها تفاوضًا دائمًا ، ومع العلاقات الدولية باعتبارها شبكة متحركة من المصالح ، ومع الأزمات باعتبارها معادلات قابلة للحساب : ماذا تريد الولايات المتحدة ؟ ماذا ستحصل عليه؟ وما الذي ستدفعه في المقابل ؟.
ومن هنا تكتسب التجربة اليمنية أهميتها ، لأنها قدمت مبكرًا نموذجًا واضحًا لهذا التفكير .
ففي السادس من مايو 2025، أعلنت واشنطن وقف حملتها الجوية ضد الحوثيين بعد تفاهم توسطت فيه سلطنة عُمان، تعهد بموجبه الطرفان بعدم استهداف بعضهما، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، مع بقاء الهجمات الحوثية على إسرائيل خارج نطاق الاتفاق.
لم يكن ذلك سلاما شاملًا في اليمن ، ولا تسوية للصراع الإقليمي ، بل كان أقرب إلى اتفاق محدد الأهداف : تحييد التهديد المباشر للمصالح الأمريكية ، وخصوصًا الملاحة والسفن الأمريكية، مقابل وقف الضربات الأمريكية .
وهنا تكمن إحدى مفاتيح فهم ترامب .
فالعملية العسكرية، في منطقه السياسي، ليست بالضرورة هدفًا في حد ذاتها ، وإنما وسيلة للوصول إلى نتيجة قابلة للتحقق .
وإذا أمكن تحقيق الهدف الأمريكي من خلال التفاوض بدل استمرار الحرب ، فإن الانتقال من الصاروخ إلى طاولة المفاوضات يصبح، في حساباته، جزءًا من القوة وليس تراجعًا عنها .
إنها سياسة لا تسأل أولا : من انتصر ومن انهزم ؟.
بل تسأل : ماذا تحقق ؟ .
وهذا فارق جوهري .
فالصفقة في قاموس ترامب ليست بالضرورة نهاية للصراع ، وإنما قد تكون إعادة ترتيب للمصالح ، أو تجميدًا لجبهة ، أو مقايضة بين أوراق مختلفة، أو شراءً للوقت ، أو تحويلا للخسائر المحتملة إلى مكاسب تفاوضية .
ولهذا تبدو السياسة في عهده أقرب إلى طاولة مفاوضات عالمية ضخمة ، توضع فوقها أوراق متعددة : الأمن ، والطاقة ، والتجارة، والرسوم الجمركية ، والسلاح ، والممرات البحرية ، والعقوبات ، وحتى الخصومة نفسها .
فكل ورقة يمكن أن تصبح أداة تفاوض .
وكل أزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة تسعير العلاقة بين الأطراف .
لكن هذا المنطق يطرح سؤالا أكثر حساسية بالنسبة إلى حلفاء واشنطن : ماذا يحدث عندما تتقاطع مصالح الحليف مع الحسابات الأمريكية الأوسع ؟.
التطورات اليمنية الراهنة تقدم مثالا بالغ الدلالة .
فخلال سبتمبر 2026 ، صعّد الحوثيون هجماتهم على السعودية ، بالتزامن مع تقدمهم على الساحل اليمني باتجاه باب المندب ، أحد أهم الممرات البحرية في العالم .
وقد أدى التصعيد إلى استهداف مدن ومنشآت حيوية سعودية ، بينما أصبحت سلامة صادرات الطاقة وحركة الملاحة جزءًا مباشرًا من الأزمة .
وفي الرابع عشر من سبتمبر ، التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر في جدة ، وسط تصعيد متزايد .
ووفق ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة ، طلبت الرياض مساعدة عسكرية أمريكية في مواجهة الحوثيين، لكن واشنطن لم توافق على تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة، واختارت بدلًا من ذلك تقديم دعم استخباراتي ومساعدة في الاستهداف.
هذه الواقعة وحدها تختصر الكثير من فلسفة ترامب .
فالولايات المتحدة لم تنسحب من المشهد، ولم تتخل عن السعودية ، ولم تتوقف عن التعاون العسكري معها ، لكنها في الوقت نفسه لم تنتقل تلقائيًا إلى حرب مباشرة نيابة عنها .
إنها معادلة مختلفة : دعم الحليف، من دون تحويل كل مواجهة يخوضها الحليف إلى حرب أمريكية .
وهنا يظهر الفرق بين التحالف بوصفه شراكة استراتيجية ، والتحالف بوصفه ضمانًا عسكريًا مفتوحًا .
الأول يقوم على مصالح مشتركة قابلة للتطوير والتفاوض .
أما الثاني فيفترض أن أحد الطرفين سيتحمل تلقائيًا كلفة حماية الآخر ، مهما تغيرت الظروف أو ارتفعت المخاطر .
وتؤكد التطورات الحالية أن واشنطن تنظر إلى الأمر من زاوية أكثر انتقائية .
ففي الوقت الذي لم توافق فيه على التدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين ، واصلت الولايات المتحدة تعزيز التعاون الدفاعي مع المملكة .
ففي الرابع من سبتمبر وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة لبيع السعودية ذخائر JDAM-ER بقيمة تقارب خمسة مليارات دولار ، إلى جانب صفقة محتملة لمحركات عسكرية بقيمة 750 مليون دولار .
وهنا تكمن المفارقة المهمة : العلاقة لم تتراجع ، لكن أدواتها ليست واحدة .
السلاح مستمر .
التعاون الاستخباراتي مستمر.
الاتصالات السياسية مستمرة.
الشراكة الاستراتيجية مستمرة.
لكن التدخل العسكري المباشر له حساب آخر .
وهذا يعني أن ترامب يفصل بين قوة العلاقة وبين شكل التدخل في كل أزمة .
قد تكون واشنطن حليفًا استراتيجيًا ، لكنها لا تعتبر نفسها ملزمة بالدخول في كل حرب يخوضها حليفها .
وقد تكون العلاقة وثيقة إلى درجة بيع مليارات الدولارات من الأسلحة ، من دون أن يعني ذلك أن الجيش الأمريكي سيقاتل بالضرورة في كل مواجهة .
هذه ليست نهاية التحالفات ، وإنما إعادة تعريف لها.
والأمر لا يقتصر على اليمن .
فالأدوات الاقتصادية نفسها تحولت في عهد ترامب إلى جزء من اللغة السياسية .
الرسوم الجمركية لم تعد مجرد إجراء تجاري ، بل يمكن استخدامها كورقة ضغط لإعادة صياغة علاقات واشنطن مع شركائها وخصومها على حد سواء.
وهكذا يصبح الاقتصاد امتدادًا للدبلوماسية ، وتصبح الدبلوماسية امتدادًا للتفاوض ، وتصبح القوة العسكرية إحدى الأوراق التي توضع على الطاولة إلى جانب الطاقة والتجارة والاستثمار والعقوبات .
إنها، باختصار، سياسة ” الصفقة ” بدل سياسة ” الموقف “.
لكن لهذا النهج ثمنه أيضًا.
فعندما تصبح العلاقات الدولية أكثر ارتباطًا بتوازن المصالح الآنية ، يصبح على الدول الحليفة أن تفكر بطريقة مختلفة في أمنها .
ليس المطلوب أن تدير ظهرها لواشنطن ، ولا أن تقلل من قيمة الشراكة معها ، وإنما أن تدرك أن الشراكة لا تعني تفويضًا مفتوحًا في مسائل الأمن .
والسعودية تبدو ، في هذا السياق ، أمام اختبار مهم.
فالمملكة لا تستطيع أن تختزل أمنها في مظلة واحدة ، مهما كانت قوة تلك المظلة . وفي الوقت نفسه، فإنها تمتلك عناصر قوة متعددة : اقتصادا ضخما ، وموقعا استراتيجيا، وقدرات عسكرية متطورة، وشبكة علاقات دولية واسعة ، وثقلًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا يجعل مصالحها جزءًا من حسابات القوى الكبرى.
وهذه هي النقطة الأهم .
القوة في عالم الصفقات ليست فقط أن تمتلك السلاح، وإنما أن تمتلك البدائل .
أن تكون قادرًا على التحرك إذا تغيرت حسابات الآخرين .
أن تدخل طاولة التفاوض وفي يدك أكثر من ورقة .
أن تجعل مصالحك مهمة للطرف الآخر بالقدر الذي يجعل الدفاع عنها جزءًا من حساباته هو أيضًا .
لقد غيّر ترامب شيئًا مهمًا في لغة السياسة الدولية.
لم يعد السؤال فقط : من حليف من؟.
بل أصبح بصورة متزايدة : ماذا يقدم كل طرف ؟ وماذا يحصل في المقابل ؟.
ومن هنا فإن التحالفات في عهده لا تختفي ، لكنها تصبح أكثر براغماتية ، وأكثر ارتباطًا بالمصالح ، وأقل قابلية لأن تُفهم باعتبارها ضمانات أبدية لا تتأثر بتغير الظروف .
ولعل التجربة اليمنية بين 2025 و 2026 تقدم أوضح صورة لهذا التحول : في مايو 2025 تفاوضت واشنطن مع الحوثيين عندما وجدت أن تفاهمًا محدودًا يمكن أن يحمي مصالحها الأساسية .
وفي سبتمبر 2026، بينما تواجه السعودية تصعيدًا حوثيًا متزايدًا، تقدم واشنطن دعمًا استخباراتيًا واستهدافيًا، لكنها تتجنب حتى الآن الانخراط العسكري المباشر .
ليست المسألة إذن حبًا أو كراهية ، ولا صداقة أو خصومة بالمعنى التقليدي .
إنها حسابات السياسة .
وذلك هو جوهر فلسفة ترامب السياسية : قيمة العلاقة لا تقاس باسمها، وإنما بما تنتجه على طاولة المصالح .
وفي عالم كهذا ، لا يصبح امتلاك القوة ترفًا استراتيجيًا، بل شرطًا للاستقلال في القرار.
فالدولة التي تدخل طاولة التفاوض وهي تملك أوراقها تستطيع أن تفاوض على شروطها .
أما الدولة التي تعتمد على ورقة واحدة، فقد تكتشف في لحظة الأزمة أن أمنها نفسه أصبح جزءًا من حسابات صفقة أكبر .
وهنا، بالضبط، تكمن فلسفة ترامب : ليست السياسة عنده فن الحفاظ على العلاقات كما هي، بل فن إعادة تسعيرها باستمرار .
وليست قيمة التحالف في اسمه ، وإنما في المصالح التي يستطيع كل طرف أن يحميها ويبادل بها ويضعها على الطاولة .
إنها السياسة حين تتحول إلى صفقة … وحين تصبح القوة الحقيقية هي أن تدخل الصفقة وأنت تملك ما يكفي من الأوراق .

