38°C تونس
05/09/2026
السابع من أكتوبر .. بين وهم النصر وحقيقة الاستراتيجية .
أراء وأفكار

السابع من أكتوبر .. بين وهم النصر وحقيقة الاستراتيجية .

سبتمبر 5, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

هل أصبحت إسرائيل أكثر أمنا فعلا بعد كل ما جرى لها منذ السابع من أكتوبر ؟ .
أم أنها انتقلت من وهم الأمن المطلق إلى واقع صراع أكثر اتساعا ، وأكثر تعقيدا ، وأشد كلفة ؟.
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم أي قراءة مسؤولة لما حدث وما تلاه .
أما البحث عن ” انتصار ” جاهز ، سواء كان إسرائيليا أو فلسطينيا ، فيعني أننا لا نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن رواية تمنحنا الراحة.
ولعل أخطر ما تفعله الحروب الطويلة أنها تجعل النقد يبدو خيانة ، ومراجعة القرارات طعنا في التضحيات ، والاعتراف بالأخطاء انتقاصا من الذين دفعوا الثمن .
لكن الشعوب التي تريد أن تتقدم لا تخاف من مراجعة أخطائها ، مهما كانت مؤلمة ، ولا تحول التضحيات إلى حصانة تمنع مساءلة القرارات التي سبقتها أو ترتبت عليها .
والسابع من أكتوبر ليس استثناء .
بل ربما يكون واحدا من أكثر الأحداث التي تحتاج إلى مراجعة هادئة ، شجاعة ، وخالية من الرغبة في صناعة الأساطير .
فالاعتراف بأن العملية نجحت عسكريا في مفاجأة إسرائيل وإحداث اختراق أمني واستخباراتي كبير ، لا يعني بالضرورة أنها حققت أهدافا استراتيجية فلسطينية بعيدة المدى .
وبالمثل ، فإن الاعتراف بحجم المأساة الإنسانية الهائلة التي لحقت بغزة ، وبالكلفة التي دفعها الفلسطينيون ، لا يعني تبني الرواية الإسرائيلية للحرب أو التسليم بكل ما تقوله إسرائيل عن أهدافها ونتائجها .
الحقيقة قد تكون ، في كثير من الأحيان، أكثر تعقيدا من الروايتين معا.
يمكن أن يكون السابع من أكتوبر قد مثّل فشلا إسرائيليا استخباراتيا وأمنيًا مدويًا، ونجاحًا عملياتيًا للمهاجمين ، وفي الوقت نفسه يكون قد فتح مسارًا تاريخيًا أفضى إلى أثمان فلسطينية هائلة ، لا يمكن اختزالها أو التعامل معها كتفصيل عابر في حسابات الاستراتيجية .
وفي المقابل، يمكن لإسرائيل أن تفشل في القضاء على خصمها، وألا تحقق كل أهدافها المعلنة، لكنها تنجح في إحداث تحولات عميقة في البيئة السياسية والأمنية والإقليمية التي يتحرك فيها هذا الخصم.
وهنا تحديدا يجب أن نتوقف عن استخدام كلمة ” النصر ” بهذه السهولة.
فالنصر ليس لحظة عسكرية فقط ، ولا صورة احتفال ، ولا بيانا يصدره طرف بعد المعركة .
النصر الحقيقي يُقاس بما يأتي بعد المعركة.
هل تغيرت موازين القوة ؟.
هل تحقق الهدف السياسي ؟ .
هل أصبح المجتمع أكثر أمنا ؟ .
هل انفتح الطريق أمام حل سياسي ؟.
هل اقترب شعب من الحرية والدولة والاستقلال ؟.
أم أن الحرب انتهت، بينما بقيت أسبابها، وتضاعفت كلفتها ، واتسعت دائرتها؟.
فالنصر الذي لا يفتح طريقًا إلى الحرية، ولا يقرب شعبًا من دولته ، ولا يحمي أرضه ومجتمعه ، يحتاج إلى أكثر من التصفيق له ، يحتاج إلى مساءلته.
والخسارة التي لا تمنع الخصم من مواصلة القتال، ولا تحول دون قدرته على التأثير ، ولا تنهي مشروعه السياسي، ليست بالضرورة هزيمة كاملة .
هذه هي السياسة بكل تعقيداتها ، لا البيانات العسكرية وحدها .
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين والمجتمع الدولي ليس : من انتصر في السابع من أكتوبر ؟ .
بل : ماذا أنتج السابع من أكتوبر؟ .
ماذا غيّر؟ .
ومن دفع الثمن؟ .
ومن كسب سياسيًا؟
ومن خسر استراتيجيًا؟
ومن خرج من هذه الحرب بقدرة أكبر على التأثير في مستقبل المنطقة؟ . ومن أصبح أكثر أمنًا؟ ومن أصبح أكثر ضعفًا؟ .
ومن اقترب من تحقيق أهدافه، ومن ابتعد عنها؟ .
هذه الأسئلة أكثر قسوة من سؤال ” من انتصر؟ ” ، لكنها أكثر صدقا وفائدة .
أما السؤال الفلسطيني الأهم ، فيبقى أبسط من كل الحسابات وأقساها : هل أصبح الفلسطيني اليوم أقرب إلى الحرية والدولة والاستقلال ، أم أن المسافة بينه وبين هذه الأهداف قد ازدادت ؟.
إذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال بصدق وشجاعة ، فإن كل ما نكتبه عن الانتصار والهزيمة لن يكون سوى سجال طويل حول الكلمات .
لقد آن الأوان للخروج من أسر الرواية .
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى رواية بديلة للرواية الإسرائيلية ، كما لا يحتاج الإسرائيليون إلى رواية مضادة للرواية الفلسطينية .
ما نحتاجه جميعًا هو الحقيقة .
والحقيقة لا تكون أقل قيمة لأنها مؤلمة، ولا تصبح أكثر قيمة لأنها توافق ما نريد أن نصدقه.
قد تكون الحقيقة أن إسرائيل تعرضت لإخفاق أمني واستخباراتي غير مسبوق، لكنها لم تنهَر.
وقد تكون الحقيقة أن حركة حماس نجحت في إحداث صدمة استراتيجية كبرى، لكنها لم تحقق بالضرورة كل النتائج السياسية التي كان يمكن أن تجعل من هذه الصدمة انتصارًا تاريخيًا.
وقد تكون الحقيقة أيضًا أن إسرائيل لم تستطع تحقيق كل أهدافها العسكرية، لكنها نجحت في تغيير قواعد الصراع وفرض تحولات إقليمية وسياسية وأمنية عميقة.
وقد تكون الحقيقة الأشد مرارة أن الفلسطينيين دفعوا ثمنا هائلا، بينما بقيت قضيتهم تبحث عن طريق جديد للخروج من دائرة الحرب إلى أفق سياسي حقيقي.
لهذا لا ينبغي أن يكون هدفنا إثبات أن طرفًا ” انتصر ” والآخر ” انهزم ” .
الهدف يجب أن يكون معرفة ما حدث فعلًا، وما الذي تغير، وما الذي بقي كما هو ، وما الذي يمكن البناء عليه ، وما الذي ينبغي تجنبه مستقبلا.
فالشعوب لا تبني مستقبلها بالانتصارات اللغوية .
ولا تتحرر بالشعارات.
ولا تحمي نفسها بالأساطير.
إنها تتقدم عندما تمتلك شجاعة النظر إلى المرآة، والاعتراف بما أصابها وما أخطأها، وما كسبته وما خسرته، ثم تحويل التجربة إلى معرفة وقرار واستراتيجية.
ومن هنا فإن أكبر خدمة يمكن تقديمها للقضية الفلسطينية ليست صناعة ” نصر ” إعلامي، وإنما امتلاك الشجاعة لطرح السؤال الأصعب : ماذا بعد؟ .
فالتاريخ لا يحاسب الشعوب على ما شعرت به بعد المعركة، بل على ما استطاعت أن تحققه بعدها.
والانتصار الحقيقي ليس أن نربح المعركة على الورق ، وإنما أن نقترب من اليوم الذي لا يحتاج فيه الفلسطيني إلى الحرب كي يثبت وجوده ، ولا يحتاج فيه الإسرائيلي إلى الحرب كي يشعر بالأمان .
عندها فقط يمكن أن نتحدث عن انتصار حقيقي .
أما قبل ذلك، فكل انتصار يبقى ناقصًا، وكل هزيمة تبقى قابلة للمراجعة، وكل رواية تحتاج إلى أن تقف أمام الحقيقة .
لأن الحقيقة ، مهما كانت مؤلمة ، تظل أكثر فائدة للشعب الفلسطيني من أي انتصار لغوي .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *