38°C تونس
04/09/2026
الصين تتجاوز الفحم بالشمس .. هل تستعد بكين لعصر ما بعد النفط الإيراني ؟ .
اقتصاد

الصين تتجاوز الفحم بالشمس .. هل تستعد بكين لعصر ما بعد النفط الإيراني ؟ .

سبتمبر 4, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

في لحظة ما ، تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادا مختلفة اقتصادية وجيو – سياسية عميقة ، تجاوزت الطاقة الشمسية الفحم للمرة الأولى في تاريخ قطاع الكهرباء الصيني من حيث القدرة المركبة .
فمع نهاية يوليو 2026 ، بلغت القدرة الشمسية المركبة في الصين نحو 1286 غيغاواط، مقابل 1285 غيغاواط لمحطات الفحم ، فيما وصلت القدرة الكهربائية المركبة الإجمالية إلى نحو 4080 غيغاواط . وبذلك أصبحت الشمس أكبر مصدر للطاقة الكهربائية في الصين من حيث القدرة المركبة ، مستحوذة على نحو 31.5% من إجمالي القدرة .
قد يبدو الفارق ضئيلا ، غيغاواط واحد فقط، لكنه في حقيقة الأمر رقم يحمل دلالة أكبر بكثير من حجمه .
فالصين، التي بنت خلال عقود اقتصادا صناعيا هائلاً يقوم بدرجة كبيرة على الفحم والنفط والغاز ، بدأت تنقل مركز ثقل منظومتها الطاقية تدريجيا نحو مصادر محلية ومتجددة ، أقل تعرضا لصدمات الأسواق العالمية و للاضطرابات الجيو – سياسية التي تهدد طرق إمدادات الوقود .
لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة .
فتجاوز الشمس للفحم يتعلق بالقدرة المركبة ، لا بحجم الكهرباء المنتجة فعليا .
ومايزال الفحم المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء في الصين .
ففي النصف الأول من عام 2026 ، أنتجت محطات الفحم نحو 2500 تيراواط / ساعة ، أي 49.7% من إجمالي إنتاج الكهرباء ، وإن كانت هذه هي المرة الأولى التي تهبط فيها حصة الفحم إلى أقل من نصف الإنتاج .
في المقابل ، شكلت الرياح والطاقة الشمسية معا نحو 24.6% من توليد الكهرباء خلال الفترة نفسها .
وهنا تكمن المفارقة التي تختصر طبيعة التحول الصيني الكبير : الشمس تجاوزت الفحم في القدرة ، لكنها لم تتجاوزه بعد في الإنتاج .
والسبب واضح . فمحطة الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الطلب ، بينما يظل إنتاج الطاقة الشمسية مرتبطا بساعات النهار والظروف الجوية .
لذلك لا يعني صعود الشمس أن الصين تخلت عن الفحم ، وإنما يعني أنها تعيد تحديد وظيفته داخل منظومة الطاقة .
بكين تبني تدريجيا نظاما تصبح فيه الطاقة المتجددة المحرك الرئيسي للنمو المستقبلي في إنتاج الكهرباء ، بينما يحتفظ الفحم بدور احتياطي واستقراري يضمن مرونة الشبكة في أوقات ذروة الطلب أو انخفاض إنتاج المصادر المتجددة .
واللافت أن هذا التحول يجري بسرعة استثنائية .
فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، أضافت الصين نحو 85.65 غيغاواط من الطاقة الشمسية الجديدة ، منها 13.73 غيغاواط في يوليو وحده .
كما ارتفع إنتاج الطاقة الشمسية بين يناير ويوليو بنسبة 15.5% على أساس سنوي ، ليصل إلى نحو 802.4 تيراواط / ساعة ، أي قرابة 13% من إجمالي استهلاك الكهرباء .
ولم يكن التوسع مقتصرا على الشمس .
فقد وصلت القدرة المركبة لطاقة الرياح إلى نحو 690 غيغاواط بنهاية يوليو ، في إشارة واضحة إلى أن بكين لا تراهن على مصدر واحد ، بل تبني منظومة متعددة المصادر تشمل الشمس والرياح والطاقة الكهرومائية والنووية .
لكن وراء هذه الأرقام قصة أكبر بكثير من مجرد تحول بيئي .
إنها قصة الأمن الطاقي .
فالحرب في إيران والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط ضعف الاقتصاد العالمي حساسية : اعتماد الدول الصناعية الكبرى على طرق بحرية يمكن أن تتحول في لحظة إلى ساحات للصراع .
وبالنسبة إلى الصين ، أكبر مستورد للنفط في العالم ، فإن أي اضطراب طويل في تدفقات الطاقة القادمة من الخليج لا يمثل مشكلة نفطية فحسب ، بل تهديدا مباشرا للصناعة والنقل والتجارة والنمو الاقتصادي بأكمله .
ومن هنا تبدأ أهمية الطاقة الشمسية في الحساب الصيني .
فكل كيلوواط / ساعة تنتجه الشمس أو الرياح أو الطاقة النووية أو الكهرومائية محليا يمكن ، في القطاعات القابلة للكهرباء ، أن يخفض الحاجة إلى استيراد الوقود .
وهذا هو جوهر التحول الذي تسعى إليه بكين : نقل مفهوم أمن الطاقة من مجرد تأمين تدفق النفط والغاز إلى بناء اقتصاد يمتلك مصادر كهرباء محلية، وشبكات واسعة ، وبطاريات للتخزين ، وقدرة متطورة على إدارة الطلب .
الألواح الشمسية لن تشغل الطائرات ولن تزود السفن العابرة للمحيطات بالوقود ، ولذلك لن تنهي اعتماد الصين على النفط في المدى المنظور .
لكنها تستطيع أن تقلل الحاجة إلى النفط والغاز والفحم في قطاع انتاج الكهرباء ، ومع توسع السيارات الكهربائية وكهربة الصناعة والنقل وبعض أنظمة التدفئة ، يمكن أن تتسع تدريجيا مساحة الاقتصاد التي تعمل بالكهرباء المنتجة محليا .
وهنا تحديدا تظهر القيمة الجيو – سياسية للتحول .
فمحطة شمسية تنتج الكهرباء من الشمس لا تحتاج إلى ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز ، ولا تتأثر مباشرة بسعر برميل النفط العالمي ، ولا تحتاج إلى حماية عسكرية لخطوط إمداد قادمة من منطقة تشهد حرباً أو توترا .
وبمجرد تركيبها وربطها بالشبكة ، تصبح تكلفة الطاقة مرتبطة بدرجة أكبر بالاستثمار والبنية التحتية المحلية ، وأقل ارتباطا بتقلبات الأسواق الدولية .
لكن الصين لم تصل ، بطبيعة الحال ، إلى الاستقلال عن النفط .
فخلال السنوات الأخيرة ، اعتمدت البلاد على الواردات لتغطية أكثر من 70% من استهلاكها النفطي ، مع حصة مهمة من هذه الواردات قادمة من الشرق الأوسط .
ولهذا كشفت الأزمة النفطية المرتبطة بالحرب في إيران عن حدود التحول الكهربائي الصيني .
فلا يزال النفط ضروريا للنقل البحري والطيران ، كما يمثل مادة أساسية لقطاعات واسعة من الصناعات البتروكيماوية .
ولهذا لجأت بكين إلى مزيج من الإجراءات لامتصاص الصدمة ، من استخدام المخزونات إلى خفض المشتريات وتنويع مصادر الإمداد . ووفق الأرقام الواردة في التقرير ، تراجعت واردات الصين من النفط الخام من متوسط بلغ 11.5 مليون برميل يوميا خلال السنوات الخمس السابقة إلى نحو 8 ملايين برميل يوميا منذ أبريل .
لكن الأهم من هذه الأرقام هو الاتجاه طويل الأمد .
فالطاقة الشمسية لا تمنح الصين بديلا كاملا عن النفط ، لكنها تمنحها شيئا قد يكون أكثر أهمية : القدرة على تقليص كمية الوقود الأحفوري التي يحتاجها اقتصادها لمواصلة النمو .
وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى اقتصاد صناعي بحجم الصين .
فبين شهري يناير و يوليو 2026، بلغ استهلاك الكهرباء في البلاد نحو 6139.9 تيراواط / ساعة، بزيادة 4.7% على أساس سنوي .
وكان النمو أسرع في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتصنيع المعدات ، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء بنسبة 9.7% .
وهذا يعني أن مستقبل النمو الصناعي الصيني سيكون ، بصورة متزايدة ، مرتبطا بالكهرباء .
وكلما تمكنت بكين من تغطية هذا الطلب الجديد بالشمس والرياح والطاقة النووية والمائية ، أصبح النمو الصناعي أقل ارتباطا بزيادة استهلاك الوقود الأحفوري المستورد .
لكن المعركة الحقيقية المقبلة ليست معركة الألواح الشمسية .
إنها معركة الشبكة.
فلا قيمة اقتصادية كاملة لقدرات شمسية هائلة إذا لم تستطع الشبكة نقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك ، أو تخزينها إلى حين الحاجة إليها .
ولهذا يتزامن التوسع الصيني في الطاقة الشمسية مع استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وأنظمة التخزين .
وخلال النصف الأول من سنة 2026، ارتفعت الاستثمارات في شبكات الكهرباء بنسبة 13.5%، بينما قفزت الاستثمارات في تخزين الطاقة بنسبة 74.3% .
وهذا الرقم الأخير ربما يكون أكثر أهمية من رقم الألواح الشمسية نفسه .
فالسؤال الذي تواجهه الصين لم يعد : كم غيغاواط إضافية تستطيع أن تبني من الطاقة الشمسية ؟ .
بل أصبح السؤال : كيف نحول هذه القدرة الهائلة إلى كهرباء موثوقة ، متاحة في المكان والوقت اللذين تحتاجهما الصناعة والمنازل والمدن ؟ .
وتزداد حدة السؤال مع ارتفاع الطلب على الكهرباء .
فقد توقعت الإدارة الوطنية الصينية للطاقة أن تبلغ ذروة الطلب على القدرة الكهربائية خلال الصيف ما بين 1575 و 1600 غيغاواط، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى خلال موجات الحر الواسعة .
وهنا يعود الفحم إلى الصورة.
فمحطات الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الحاجة ، ولذلك لا تزال تمثل بالنسبة إلى الصين شبكة أمان استراتيجية .
وبينما تجاوزت الشمس الفحم في القدرة المركبة ، لا يزال الفحم مسؤولا عن 49.7% من إنتاج الكهرباء .
بل إن الصين واصلت خلال النصف الأول من 2026 إضافة قدرات فحم جديدة ، إذ دخل نحو 30 غيغاواط من قدرات الفحم الخدمة خلال الأشهر الستة الأولى ، مقابل تقاعد 2.7 غيغاواط فقط .
وهذا يؤكد أن التحول الصيني ليس قطيعة مفاجئة مع الفحم ، بل استراتيجية مزدوجة : التوسع بأقصى سرعة في الطاقة النظيفة ، مع الاحتفاظ بقدرات حرارية توفر الاستقرار والمرونة للشبكة .
لكن لهذا التوسع ثمنا وتحديا آخر : فائض الكهرباء المتجددة .
فقد قدرت دراسات حديثة أن نحو 360 تيراواط / ساعة من طاقة الرياح والشمس تعرضت للهدر أو لم تستغل بصورة كاملة خلال النصف الأول من 2026 ، بزيادة قدرها 49% على أساس سنوي .
وهنا يتضح أن المرحلة المقبلة من الثورة الطاقية الصينية لن تكون ثورة في الإنتاج فقط ، وإنما ثورة في إدارة الكهرباء .
البطاريات ، وخطوط النقل فائقة القدرة ، والشبكات الذكية ، وتخزين الطاقة ، وإدارة الطلب ، ستصبح جزءا من الأمن الاقتصادي الصيني بالقدر نفسه الذي كانت تمثله ناقلات النفط وموانئ الاستيراد في العقود الماضية .
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية : الصناعة الصينية نفسها .
فتجاوز الشمس للفحم يخلق سوقا داخلية هائلة للألواح الشمسية والمحولات والبطاريات والكابلات ومعدات الشبكات وأنظمة التخزين . وهذا الطلب الداخلي يمنح الشركات الصينية قاعدة إنتاج ضخمة ، تساعدها على خفض التكلفة وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية .
وبذلك لا تتحول الصين فقط من مستهلك هائل للطاقة إلى مستهلك أكبر للكهرباء ، وإنما تتحول أيضا إلى قوة صناعية تسيطر على أجزاء واسعة من سلسلة القيمة الجديدة للطاقة ، من تصنيع الألواح والبطاريات إلى بناء الشبكات وأنظمة التخزين .
وهذا بدوره يفرض ضغوطا متزايدة على المنافسين ، خصوصا في أوروبا ، التي تحاول الحفاظ على قدراتها الصناعية في مجالات الطاقة الشمسية والبطاريات والتقنيات الكهربائية أمام المنافسة الصينية .
أما بالنسبة إلى الدول المنتجة للنفط ، فإن الرسالة الصينية لا تعني أن عصر النفط انتهى ، ولا أن بكين ستتوقف عن شراء النفط من الشرق الأوسط .
انما العكس هو الصحيح .
سيظل النفط ضروريا للصين لسنوات طويلة ، خصوصا في مجالات الطيران والنقل البحري والبتروكيماويات .
لكن السؤال الأهم ليس : هل ستتوقف الصين عن استيراد النفط ؟ .
بل: كم نفطاً ستحتاج الصين لاستمرار نموها؟.
وهنا تكمن الدلالة الحقيقية لتجاوز الشمس للفحم .

في لحظة ما ، تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادا مختلفة اقتصادية وجيو – سياسية عميقة ، تجاوزت الطاقة الشمسية الفحم للمرة الأولى في تاريخ قطاع الكهرباء الصيني من حيث القدرة المركبة .
فمع نهاية يوليو 2026 ، بلغت القدرة الشمسية المركبة في الصين نحو 1286 غيغاواط، مقابل 1285 غيغاواط لمحطات الفحم ، فيما وصلت القدرة الكهربائية المركبة الإجمالية إلى نحو 4080 غيغاواط . وبذلك أصبحت الشمس أكبر مصدر للطاقة الكهربائية في الصين من حيث القدرة المركبة ، مستحوذة على نحو 31.5% من إجمالي القدرة .
قد يبدو الفارق ضئيلا ، غيغاواط واحد فقط، لكنه في حقيقة الأمر رقم يحمل دلالة أكبر بكثير من حجمه .
فالصين، التي بنت خلال عقود اقتصادا صناعيا هائلاً يقوم بدرجة كبيرة على الفحم والنفط والغاز ، بدأت تنقل مركز ثقل منظومتها الطاقية تدريجيا نحو مصادر محلية ومتجددة ، أقل تعرضا لصدمات الأسواق العالمية و للاضطرابات الجيو – سياسية التي تهدد طرق إمدادات الوقود .
لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة .
فتجاوز الشمس للفحم يتعلق بالقدرة المركبة ، لا بحجم الكهرباء المنتجة فعليا .
ومايزال الفحم المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء في الصين .
ففي النصف الأول من عام 2026 ، أنتجت محطات الفحم نحو 2500 تيراواط / ساعة ، أي 49.7% من إجمالي إنتاج الكهرباء ، وإن كانت هذه هي المرة الأولى التي تهبط فيها حصة الفحم إلى أقل من نصف الإنتاج .
في المقابل ، شكلت الرياح والطاقة الشمسية معا نحو 24.6% من توليد الكهرباء خلال الفترة نفسها .
وهنا تكمن المفارقة التي تختصر طبيعة التحول الصيني الكبير : الشمس تجاوزت الفحم في القدرة ، لكنها لم تتجاوزه بعد في الإنتاج .
والسبب واضح . فمحطة الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الطلب ، بينما يظل إنتاج الطاقة الشمسية مرتبطا بساعات النهار والظروف الجوية .
لذلك لا يعني صعود الشمس أن الصين تخلت عن الفحم ، وإنما يعني أنها تعيد تحديد وظيفته داخل منظومة الطاقة .
بكين تبني تدريجيا نظاما تصبح فيه الطاقة المتجددة المحرك الرئيسي للنمو المستقبلي في إنتاج الكهرباء ، بينما يحتفظ الفحم بدور احتياطي واستقراري يضمن مرونة الشبكة في أوقات ذروة الطلب أو انخفاض إنتاج المصادر المتجددة .
واللافت أن هذا التحول يجري بسرعة استثنائية .
فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، أضافت الصين نحو 85.65 غيغاواط من الطاقة الشمسية الجديدة ، منها 13.73 غيغاواط في يوليو وحده .
كما ارتفع إنتاج الطاقة الشمسية بين يناير ويوليو بنسبة 15.5% على أساس سنوي ، ليصل إلى نحو 802.4 تيراواط / ساعة ، أي قرابة 13% من إجمالي استهلاك الكهرباء .
ولم يكن التوسع مقتصرا على الشمس .
فقد وصلت القدرة المركبة لطاقة الرياح إلى نحو 690 غيغاواط بنهاية يوليو ، في إشارة واضحة إلى أن بكين لا تراهن على مصدر واحد ، بل تبني منظومة متعددة المصادر تشمل الشمس والرياح والطاقة الكهرومائية والنووية .
لكن وراء هذه الأرقام قصة أكبر بكثير من مجرد تحول بيئي .
إنها قصة الأمن الطاقي .
فالحرب في إيران والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط ضعف الاقتصاد العالمي حساسية : اعتماد الدول الصناعية الكبرى على طرق بحرية يمكن أن تتحول في لحظة إلى ساحات للصراع .
وبالنسبة إلى الصين ، أكبر مستورد للنفط في العالم ، فإن أي اضطراب طويل في تدفقات الطاقة القادمة من الخليج لا يمثل مشكلة نفطية فحسب ، بل تهديدا مباشرا للصناعة والنقل والتجارة والنمو الاقتصادي بأكمله .
ومن هنا تبدأ أهمية الطاقة الشمسية في الحساب الصيني .
فكل كيلوواط / ساعة تنتجه الشمس أو الرياح أو الطاقة النووية أو الكهرومائية محليا يمكن ، في القطاعات القابلة للكهرباء ، أن يخفض الحاجة إلى استيراد الوقود .
وهذا هو جوهر التحول الذي تسعى إليه بكين : نقل مفهوم أمن الطاقة من مجرد تأمين تدفق النفط والغاز إلى بناء اقتصاد يمتلك مصادر كهرباء محلية، وشبكات واسعة ، وبطاريات للتخزين ، وقدرة متطورة على إدارة الطلب .
الألواح الشمسية لن تشغل الطائرات ولن تزود السفن العابرة للمحيطات بالوقود ، ولذلك لن تنهي اعتماد الصين على النفط في المدى المنظور .
لكنها تستطيع أن تقلل الحاجة إلى النفط والغاز والفحم في قطاع انتاج الكهرباء ، ومع توسع السيارات الكهربائية وكهربة الصناعة والنقل وبعض أنظمة التدفئة ، يمكن أن تتسع تدريجيا مساحة الاقتصاد التي تعمل بالكهرباء المنتجة محليا .
وهنا تحديدا تظهر القيمة الجيو – سياسية للتحول .
فمحطة شمسية تنتج الكهرباء من الشمس لا تحتاج إلى ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز ، ولا تتأثر مباشرة بسعر برميل النفط العالمي ، ولا تحتاج إلى حماية عسكرية لخطوط إمداد قادمة من منطقة تشهد حرباً أو توترا .
وبمجرد تركيبها وربطها بالشبكة ، تصبح تكلفة الطاقة مرتبطة بدرجة أكبر بالاستثمار والبنية التحتية المحلية ، وأقل ارتباطا بتقلبات الأسواق الدولية .
لكن الصين لم تصل ، بطبيعة الحال ، إلى الاستقلال عن النفط .
فخلال السنوات الأخيرة ، اعتمدت البلاد على الواردات لتغطية أكثر من 70% من استهلاكها النفطي ، مع حصة مهمة من هذه الواردات قادمة من الشرق الأوسط .
ولهذا كشفت الأزمة النفطية المرتبطة بالحرب في إيران عن حدود التحول الكهربائي الصيني .
فلا يزال النفط ضروريا للنقل البحري والطيران ، كما يمثل مادة أساسية لقطاعات واسعة من الصناعات البتروكيماوية .
ولهذا لجأت بكين إلى مزيج من الإجراءات لامتصاص الصدمة ، من استخدام المخزونات إلى خفض المشتريات وتنويع مصادر الإمداد . ووفق الأرقام الواردة في التقرير ، تراجعت واردات الصين من النفط الخام من متوسط بلغ 11.5 مليون برميل يوميا خلال السنوات الخمس السابقة إلى نحو 8 ملايين برميل يوميا منذ أبريل .
لكن الأهم من هذه الأرقام هو الاتجاه طويل الأمد .
فالطاقة الشمسية لا تمنح الصين بديلا كاملا عن النفط ، لكنها تمنحها شيئا قد يكون أكثر أهمية : القدرة على تقليص كمية الوقود الأحفوري التي يحتاجها اقتصادها لمواصلة النمو .
وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى اقتصاد صناعي بحجم الصين .
فبين شهري يناير و يوليو 2026، بلغ استهلاك الكهرباء في البلاد نحو 6139.9 تيراواط / ساعة، بزيادة 4.7% على أساس سنوي .
وكان النمو أسرع في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتصنيع المعدات ، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء بنسبة 9.7% .
وهذا يعني أن مستقبل النمو الصناعي الصيني سيكون ، بصورة متزايدة ، مرتبطا بالكهرباء .
وكلما تمكنت بكين من تغطية هذا الطلب الجديد بالشمس والرياح والطاقة النووية والمائية ، أصبح النمو الصناعي أقل ارتباطا بزيادة استهلاك الوقود الأحفوري المستورد .
لكن المعركة الحقيقية المقبلة ليست معركة الألواح الشمسية .
إنها معركة الشبكة.
فلا قيمة اقتصادية كاملة لقدرات شمسية هائلة إذا لم تستطع الشبكة نقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك ، أو تخزينها إلى حين الحاجة إليها .
ولهذا يتزامن التوسع الصيني في الطاقة الشمسية مع استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وأنظمة التخزين .
وخلال النصف الأول من سنة 2026، ارتفعت الاستثمارات في شبكات الكهرباء بنسبة 13.5%، بينما قفزت الاستثمارات في تخزين الطاقة بنسبة 74.3% .
وهذا الرقم الأخير ربما يكون أكثر أهمية من رقم الألواح الشمسية نفسه .
فالسؤال الذي تواجهه الصين لم يعد : كم غيغاواط إضافية تستطيع أن تبني من الطاقة الشمسية ؟ .
بل أصبح السؤال : كيف نحول هذه القدرة الهائلة إلى كهرباء موثوقة ، متاحة في المكان والوقت اللذين تحتاجهما الصناعة والمنازل والمدن ؟ .
وتزداد حدة السؤال مع ارتفاع الطلب على الكهرباء .
فقد توقعت الإدارة الوطنية الصينية للطاقة أن تبلغ ذروة الطلب على القدرة الكهربائية خلال الصيف ما بين 1575 و 1600 غيغاواط، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى خلال موجات الحر الواسعة .
وهنا يعود الفحم إلى الصورة.
فمحطات الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الحاجة ، ولذلك لا تزال تمثل بالنسبة إلى الصين شبكة أمان استراتيجية .
وبينما تجاوزت الشمس الفحم في القدرة المركبة ، لا يزال الفحم مسؤولا عن 49.7% من إنتاج الكهرباء .
بل إن الصين واصلت خلال النصف الأول من 2026 إضافة قدرات فحم جديدة ، إذ دخل نحو 30 غيغاواط من قدرات الفحم الخدمة خلال الأشهر الستة الأولى ، مقابل تقاعد 2.7 غيغاواط فقط .
وهذا يؤكد أن التحول الصيني ليس قطيعة مفاجئة مع الفحم ، بل استراتيجية مزدوجة : التوسع بأقصى سرعة في الطاقة النظيفة ، مع الاحتفاظ بقدرات حرارية توفر الاستقرار والمرونة للشبكة .
لكن لهذا التوسع ثمنا وتحديا آخر : فائض الكهرباء المتجددة .
فقد قدرت دراسات حديثة أن نحو 360 تيراواط / ساعة من طاقة الرياح والشمس تعرضت للهدر أو لم تستغل بصورة كاملة خلال النصف الأول من 2026 ، بزيادة قدرها 49% على أساس سنوي .
وهنا يتضح أن المرحلة المقبلة من الثورة الطاقية الصينية لن تكون ثورة في الإنتاج فقط ، وإنما ثورة في إدارة الكهرباء .
البطاريات ، وخطوط النقل فائقة القدرة ، والشبكات الذكية ، وتخزين الطاقة ، وإدارة الطلب ، ستصبح جزءا من الأمن الاقتصادي الصيني بالقدر نفسه الذي كانت تمثله ناقلات النفط وموانئ الاستيراد في العقود الماضية .
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية : الصناعة الصينية نفسها .
فتجاوز الشمس للفحم يخلق سوقا داخلية هائلة للألواح الشمسية والمحولات والبطاريات والكابلات ومعدات الشبكات وأنظمة التخزين . وهذا الطلب الداخلي يمنح الشركات الصينية قاعدة إنتاج ضخمة ، تساعدها على خفض التكلفة وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية .
وبذلك لا تتحول الصين فقط من مستهلك هائل للطاقة إلى مستهلك أكبر للكهرباء ، وإنما تتحول أيضا إلى قوة صناعية تسيطر على أجزاء واسعة من سلسلة القيمة الجديدة للطاقة ، من تصنيع الألواح والبطاريات إلى بناء الشبكات وأنظمة التخزين .
وهذا بدوره يفرض ضغوطا متزايدة على المنافسين ، خصوصا في أوروبا ، التي تحاول الحفاظ على قدراتها الصناعية في مجالات الطاقة الشمسية والبطاريات والتقنيات الكهربائية أمام المنافسة الصينية .
أما بالنسبة إلى الدول المنتجة للنفط ، فإن الرسالة الصينية لا تعني أن عصر النفط انتهى ، ولا أن بكين ستتوقف عن شراء النفط من الشرق الأوسط .
انما العكس هو الصحيح .
سيظل النفط ضروريا للصين لسنوات طويلة ، خصوصا في مجالات الطيران والنقل البحري والبتروكيماويات .
لكن السؤال الأهم ليس : هل ستتوقف الصين عن استيراد النفط ؟ .
بل: كم نفطاً ستحتاج الصين لاستمرار نموها؟.
وهنا تكمن الدلالة الحقيقية لتجاوز الشمس للفحم .

فالرقم 1286 غيغاواط مقابل 1285 غيغاواط ليس مجرد منافسة بين مصدرين للطاقة .
إنه إشارة إلى تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الصيني : من منظومة يعتمد نموها بكثافة على الوقود الأحفوري إلى منظومة يعتمد جزء متزايد من نموها على الكهرباء المنتجة محليا .
وإذا واصلت الصين توسيع الطاقة الشمسية والرياح ، وتطوير التخزين والشبكات ، وتسريع كهربة النقل والصناعة ، فإن الصدمات النفطية الخارجية ستظل تؤثر في اقتصادها ، لكنها ستجد أمامها اقتصادا أقل تعرضا لها مما كان عليه قبل عقد .
لقد أعادت الحرب في إيران ومخاطر مضيق هرمز تذكير العالم بأن الأمن الطاقي لا يزال رهينة الجغرافيا السياسية .
لكن الصين تحاول تغيير هذه المعادلة من جذورها .
بدلا من الاكتفاء بتأمين طرق النفط ، تبني قدرة تجعل جزءا متزايدا من اقتصادها أقل حاجة إلى تلك الطرق أصلا .
ولهذا فإن لحظة تجاوز الشمس للفحم قد لا تكون مجرد لحظة في تاريخ الكهرباء الصينية .
قد تكون، في معناها الأعمق ، بداية انتقال الصين من عصر كانت فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بتأمين الوقود ، إلى عصر تصبح فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بامتلاك الكهرباء ، والشبكات، والتخزين، والتكنولوجيا.
وربما هنا تحديدا تبدأ قصة ” ما بعد النفط الإيراني ” بالنسبة إلى بكين : ليس بإيقاف شراء النفط غدا ، وإنما بجعل الاقتصاد الصيني ، يوما بعد يوم ، أقل اعتمادا على برميل يأتي من وراء مضيق هرمزفي لحظة ما ، تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادا مختلفة اقتصادية وجيو – سياسية عميقة ، تجاوزت الطاقة الشمسية الفحم للمرة الأولى في تاريخ قطاع الكهرباء الصيني من حيث القدرة المركبة .
فمع نهاية يوليو 2026 ، بلغت القدرة الشمسية المركبة في الصين نحو 1286 غيغاواط، مقابل 1285 غيغاواط لمحطات الفحم ، فيما وصلت القدرة الكهربائية المركبة الإجمالية إلى نحو 4080 غيغاواط . وبذلك أصبحت الشمس أكبر مصدر للطاقة الكهربائية في الصين من حيث القدرة المركبة ، مستحوذة على نحو 31.5% من إجمالي القدرة .
قد يبدو الفارق ضئيلا ، غيغاواط واحد فقط، لكنه في حقيقة الأمر رقم يحمل دلالة أكبر بكثير من حجمه .
فالصين، التي بنت خلال عقود اقتصادا صناعيا هائلاً يقوم بدرجة كبيرة على الفحم والنفط والغاز ، بدأت تنقل مركز ثقل منظومتها الطاقية تدريجيا نحو مصادر محلية ومتجددة ، أقل تعرضا لصدمات الأسواق العالمية و للاضطرابات الجيو – سياسية التي تهدد طرق إمدادات الوقود .
لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة .
فتجاوز الشمس للفحم يتعلق بالقدرة المركبة ، لا بحجم الكهرباء المنتجة فعليا .
ومايزال الفحم المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء في الصين .
ففي النصف الأول من عام 2026 ، أنتجت محطات الفحم نحو 2500 تيراواط / ساعة ، أي 49.7% من إجمالي إنتاج الكهرباء ، وإن كانت هذه هي المرة الأولى التي تهبط فيها حصة الفحم إلى أقل من نصف الإنتاج .
في المقابل ، شكلت الرياح والطاقة الشمسية معا نحو 24.6% من توليد الكهرباء خلال الفترة نفسها .
وهنا تكمن المفارقة التي تختصر طبيعة التحول الصيني الكبير : الشمس تجاوزت الفحم في القدرة ، لكنها لم تتجاوزه بعد في الإنتاج .
والسبب واضح . فمحطة الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الطلب ، بينما يظل إنتاج الطاقة الشمسية مرتبطا بساعات النهار والظروف الجوية .
لذلك لا يعني صعود الشمس أن الصين تخلت عن الفحم ، وإنما يعني أنها تعيد تحديد وظيفته داخل منظومة الطاقة .
بكين تبني تدريجيا نظاما تصبح فيه الطاقة المتجددة المحرك الرئيسي للنمو المستقبلي في إنتاج الكهرباء ، بينما يحتفظ الفحم بدور احتياطي واستقراري يضمن مرونة الشبكة في أوقات ذروة الطلب أو انخفاض إنتاج المصادر المتجددة .
واللافت أن هذا التحول يجري بسرعة استثنائية .
فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، أضافت الصين نحو 85.65 غيغاواط من الطاقة الشمسية الجديدة ، منها 13.73 غيغاواط في يوليو وحده .
كما ارتفع إنتاج الطاقة الشمسية بين يناير ويوليو بنسبة 15.5% على أساس سنوي ، ليصل إلى نحو 802.4 تيراواط / ساعة ، أي قرابة 13% من إجمالي استهلاك الكهرباء .
ولم يكن التوسع مقتصرا على الشمس .
فقد وصلت القدرة المركبة لطاقة الرياح إلى نحو 690 غيغاواط بنهاية يوليو ، في إشارة واضحة إلى أن بكين لا تراهن على مصدر واحد ، بل تبني منظومة متعددة المصادر تشمل الشمس والرياح والطاقة الكهرومائية والنووية .
لكن وراء هذه الأرقام قصة أكبر بكثير من مجرد تحول بيئي .
إنها قصة الأمن الطاقي .
فالحرب في إيران والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط ضعف الاقتصاد العالمي حساسية : اعتماد الدول الصناعية الكبرى على طرق بحرية يمكن أن تتحول في لحظة إلى ساحات للصراع .
وبالنسبة إلى الصين ، أكبر مستورد للنفط في العالم ، فإن أي اضطراب طويل في تدفقات الطاقة القادمة من الخليج لا يمثل مشكلة نفطية فحسب ، بل تهديدا مباشرا للصناعة والنقل والتجارة والنمو الاقتصادي بأكمله .
ومن هنا تبدأ أهمية الطاقة الشمسية في الحساب الصيني .
فكل كيلوواط / ساعة تنتجه الشمس أو الرياح أو الطاقة النووية أو الكهرومائية محليا يمكن ، في القطاعات القابلة للكهرباء ، أن يخفض الحاجة إلى استيراد الوقود .
وهذا هو جوهر التحول الذي تسعى إليه بكين : نقل مفهوم أمن الطاقة من مجرد تأمين تدفق النفط والغاز إلى بناء اقتصاد يمتلك مصادر كهرباء محلية، وشبكات واسعة ، وبطاريات للتخزين ، وقدرة متطورة على إدارة الطلب .
الألواح الشمسية لن تشغل الطائرات ولن تزود السفن العابرة للمحيطات بالوقود ، ولذلك لن تنهي اعتماد الصين على النفط في المدى المنظور .
لكنها تستطيع أن تقلل الحاجة إلى النفط والغاز والفحم في قطاع انتاج الكهرباء ، ومع توسع السيارات الكهربائية وكهربة الصناعة والنقل وبعض أنظمة التدفئة ، يمكن أن تتسع تدريجيا مساحة الاقتصاد التي تعمل بالكهرباء المنتجة محليا .
وهنا تحديدا تظهر القيمة الجيو – سياسية للتحول .
فمحطة شمسية تنتج الكهرباء من الشمس لا تحتاج إلى ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز ، ولا تتأثر مباشرة بسعر برميل النفط العالمي ، ولا تحتاج إلى حماية عسكرية لخطوط إمداد قادمة من منطقة تشهد حرباً أو توترا .
وبمجرد تركيبها وربطها بالشبكة ، تصبح تكلفة الطاقة مرتبطة بدرجة أكبر بالاستثمار والبنية التحتية المحلية ، وأقل ارتباطا بتقلبات الأسواق الدولية .
لكن الصين لم تصل ، بطبيعة الحال ، إلى الاستقلال عن النفط .
فخلال السنوات الأخيرة ، اعتمدت البلاد على الواردات لتغطية أكثر من 70% من استهلاكها النفطي ، مع حصة مهمة من هذه الواردات قادمة من الشرق الأوسط .
ولهذا كشفت الأزمة النفطية المرتبطة بالحرب في إيران عن حدود التحول الكهربائي الصيني .
فلا يزال النفط ضروريا للنقل البحري والطيران ، كما يمثل مادة أساسية لقطاعات واسعة من الصناعات البتروكيماوية .
ولهذا لجأت بكين إلى مزيج من الإجراءات لامتصاص الصدمة ، من استخدام المخزونات إلى خفض المشتريات وتنويع مصادر الإمداد . ووفق الأرقام الواردة في التقرير ، تراجعت واردات الصين من النفط الخام من متوسط بلغ 11.5 مليون برميل يوميا خلال السنوات الخمس السابقة إلى نحو 8 ملايين برميل يوميا منذ أبريل .
لكن الأهم من هذه الأرقام هو الاتجاه طويل الأمد .
فالطاقة الشمسية لا تمنح الصين بديلا كاملا عن النفط ، لكنها تمنحها شيئا قد يكون أكثر أهمية : القدرة على تقليص كمية الوقود الأحفوري التي يحتاجها اقتصادها لمواصلة النمو .
وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى اقتصاد صناعي بحجم الصين .
فبين شهري يناير و يوليو 2026، بلغ استهلاك الكهرباء في البلاد نحو 6139.9 تيراواط / ساعة، بزيادة 4.7% على أساس سنوي .
وكان النمو أسرع في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتصنيع المعدات ، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء بنسبة 9.7% .
وهذا يعني أن مستقبل النمو الصناعي الصيني سيكون ، بصورة متزايدة ، مرتبطا بالكهرباء .
وكلما تمكنت بكين من تغطية هذا الطلب الجديد بالشمس والرياح والطاقة النووية والمائية ، أصبح النمو الصناعي أقل ارتباطا بزيادة استهلاك الوقود الأحفوري المستورد .
لكن المعركة الحقيقية المقبلة ليست معركة الألواح الشمسية .
إنها معركة الشبكة.
فلا قيمة اقتصادية كاملة لقدرات شمسية هائلة إذا لم تستطع الشبكة نقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك ، أو تخزينها إلى حين الحاجة إليها .
ولهذا يتزامن التوسع الصيني في الطاقة الشمسية مع استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وأنظمة التخزين .
وخلال النصف الأول من سنة 2026، ارتفعت الاستثمارات في شبكات الكهرباء بنسبة 13.5%، بينما قفزت الاستثمارات في تخزين الطاقة بنسبة 74.3% .
وهذا الرقم الأخير ربما يكون أكثر أهمية من رقم الألواح الشمسية نفسه .
فالسؤال الذي تواجهه الصين لم يعد : كم غيغاواط إضافية تستطيع أن تبني من الطاقة الشمسية ؟ .
بل أصبح السؤال : كيف نحول هذه القدرة الهائلة إلى كهرباء موثوقة ، متاحة في المكان والوقت اللذين تحتاجهما الصناعة والمنازل والمدن ؟ .
وتزداد حدة السؤال مع ارتفاع الطلب على الكهرباء .
فقد توقعت الإدارة الوطنية الصينية للطاقة أن تبلغ ذروة الطلب على القدرة الكهربائية خلال الصيف ما بين 1575 و 1600 غيغاواط، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى خلال موجات الحر الواسعة .
وهنا يعود الفحم إلى الصورة.
فمحطات الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الحاجة ، ولذلك لا تزال تمثل بالنسبة إلى الصين شبكة أمان استراتيجية .
وبينما تجاوزت الشمس الفحم في القدرة المركبة ، لا يزال الفحم مسؤولا عن 49.7% من إنتاج الكهرباء .
بل إن الصين واصلت خلال النصف الأول من 2026 إضافة قدرات فحم جديدة ، إذ دخل نحو 30 غيغاواط من قدرات الفحم الخدمة خلال الأشهر الستة الأولى ، مقابل تقاعد 2.7 غيغاواط فقط .
وهذا يؤكد أن التحول الصيني ليس قطيعة مفاجئة مع الفحم ، بل استراتيجية مزدوجة : التوسع بأقصى سرعة في الطاقة النظيفة ، مع الاحتفاظ بقدرات حرارية توفر الاستقرار والمرونة للشبكة .
لكن لهذا التوسع ثمنا وتحديا آخر : فائض الكهرباء المتجددة .
فقد قدرت دراسات حديثة أن نحو 360 تيراواط / ساعة من طاقة الرياح والشمس تعرضت للهدر أو لم تستغل بصورة كاملة خلال النصف الأول من 2026 ، بزيادة قدرها 49% على أساس سنوي .
وهنا يتضح أن المرحلة المقبلة من الثورة الطاقية الصينية لن تكون ثورة في الإنتاج فقط ، وإنما ثورة في إدارة الكهرباء .
البطاريات ، وخطوط النقل فائقة القدرة ، والشبكات الذكية ، وتخزين الطاقة ، وإدارة الطلب ، ستصبح جزءا من الأمن الاقتصادي الصيني بالقدر نفسه الذي كانت تمثله ناقلات النفط وموانئ الاستيراد في العقود الماضية .
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية : الصناعة الصينية نفسها .
فتجاوز الشمس للفحم يخلق سوقا داخلية هائلة للألواح الشمسية والمحولات والبطاريات والكابلات ومعدات الشبكات وأنظمة التخزين . وهذا الطلب الداخلي يمنح الشركات الصينية قاعدة إنتاج ضخمة ، تساعدها على خفض التكلفة وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية .
وبذلك لا تتحول الصين فقط من مستهلك هائل للطاقة إلى مستهلك أكبر للكهرباء ، وإنما تتحول أيضا إلى قوة صناعية تسيطر على أجزاء واسعة من سلسلة القيمة الجديدة للطاقة ، من تصنيع الألواح والبطاريات إلى بناء الشبكات وأنظمة التخزين .
وهذا بدوره يفرض ضغوطا متزايدة على المنافسين ، خصوصا في أوروبا ، التي تحاول الحفاظ على قدراتها الصناعية في مجالات الطاقة الشمسية والبطاريات والتقنيات الكهربائية أمام المنافسة الصينية .
أما بالنسبة إلى الدول المنتجة للنفط ، فإن الرسالة الصينية لا تعني أن عصر النفط انتهى ، ولا أن بكين ستتوقف عن شراء النفط من الشرق الأوسط .
انما العكس هو الصحيح .
سيظل النفط ضروريا للصين لسنوات طويلة ، خصوصا في مجالات الطيران والنقل البحري والبتروكيماويات .
لكن السؤال الأهم ليس : هل ستتوقف الصين عن استيراد النفط ؟ .
بل: كم نفطاً ستحتاج الصين لاستمرار نموها؟.
وهنا تكمن الدلالة الحقيقية لتجاوز الشمس للفحم .

فالرقم 1286 غيغاواط مقابل 1285 غيغاواط ليس مجرد منافسة بين مصدرين للطاقة .
إنه إشارة إلى تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الصيني : من منظومة يعتمد نموها بكثافة على الوقود الأحفوري إلى منظومة يعتمد جزء متزايد من نموها على الكهرباء المنتجة محليا .
وإذا واصلت الصين توسيع الطاقة الشمسية والرياح ، وتطوير التخزين والشبكات ، وتسريع كهربة النقل والصناعة ، فإن الصدمات النفطية الخارجية ستظل تؤثر في اقتصادها ، لكنها ستجد أمامها اقتصادا أقل تعرضا لها مما كان عليه قبل عقد .
لقد أعادت الحرب في إيران ومخاطر مضيق هرمز تذكير العالم بأن الأمن الطاقي لا يزال رهينة الجغرافيا السياسية .
لكن الصين تحاول تغيير هذه المعادلة من جذورها .
بدلا من الاكتفاء بتأمين طرق النفط ، تبني قدرة تجعل جزءا متزايدا من اقتصادها أقل حاجة إلى تلك الطرق أصلا .
ولهذا فإن لحظة تجاوز الشمس للفحم قد لا تكون مجرد لحظة في تاريخ الكهرباء الصينية .
قد تكون، في معناها الأعمق ، بداية انتقال الصين من عصر كانت فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بتأمين الوقود ، إلى عصر تصبح فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بامتلاك الكهرباء ، والشبكات، والتخزين، والتكنولوجيا.
وربما هنا تحديدا تبدأ قصة ” ما بعد النفط الإيراني ” بالنسبة إلى بكين : ليس بإيقاف شراء النفط غدا ، وإنما بجعل الاقتصاد الصيني ، يوما بعد يوم ، أقل اعتمادا على برميل يأتي من وراء مضيق هرمزفي لحظة ما ، تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادا مختلفة اقتصادية وجيو – سياسية عميقة ، تجاوزت الطاقة الشمسية الفحم للمرة الأولى في تاريخ قطاع الكهرباء الصيني من حيث القدرة المركبة .
فمع نهاية يوليو 2026 ، بلغت القدرة الشمسية المركبة في الصين نحو 1286 غيغاواط، مقابل 1285 غيغاواط لمحطات الفحم ، فيما وصلت القدرة الكهربائية المركبة الإجمالية إلى نحو 4080 غيغاواط . وبذلك أصبحت الشمس أكبر مصدر للطاقة الكهربائية في الصين من حيث القدرة المركبة ، مستحوذة على نحو 31.5% من إجمالي القدرة .
قد يبدو الفارق ضئيلا ، غيغاواط واحد فقط، لكنه في حقيقة الأمر رقم يحمل دلالة أكبر بكثير من حجمه .
فالصين، التي بنت خلال عقود اقتصادا صناعيا هائلاً يقوم بدرجة كبيرة على الفحم والنفط والغاز ، بدأت تنقل مركز ثقل منظومتها الطاقية تدريجيا نحو مصادر محلية ومتجددة ، أقل تعرضا لصدمات الأسواق العالمية و للاضطرابات الجيو – سياسية التي تهدد طرق إمدادات الوقود .
لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة .
فتجاوز الشمس للفحم يتعلق بالقدرة المركبة ، لا بحجم الكهرباء المنتجة فعليا .
ومايزال الفحم المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء في الصين .
ففي النصف الأول من عام 2026 ، أنتجت محطات الفحم نحو 2500 تيراواط / ساعة ، أي 49.7% من إجمالي إنتاج الكهرباء ، وإن كانت هذه هي المرة الأولى التي تهبط فيها حصة الفحم إلى أقل من نصف الإنتاج .
في المقابل ، شكلت الرياح والطاقة الشمسية معا نحو 24.6% من توليد الكهرباء خلال الفترة نفسها .
وهنا تكمن المفارقة التي تختصر طبيعة التحول الصيني الكبير : الشمس تجاوزت الفحم في القدرة ، لكنها لم تتجاوزه بعد في الإنتاج .
والسبب واضح . فمحطة الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الطلب ، بينما يظل إنتاج الطاقة الشمسية مرتبطا بساعات النهار والظروف الجوية .
لذلك لا يعني صعود الشمس أن الصين تخلت عن الفحم ، وإنما يعني أنها تعيد تحديد وظيفته داخل منظومة الطاقة .
بكين تبني تدريجيا نظاما تصبح فيه الطاقة المتجددة المحرك الرئيسي للنمو المستقبلي في إنتاج الكهرباء ، بينما يحتفظ الفحم بدور احتياطي واستقراري يضمن مرونة الشبكة في أوقات ذروة الطلب أو انخفاض إنتاج المصادر المتجددة .
واللافت أن هذا التحول يجري بسرعة استثنائية .
فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، أضافت الصين نحو 85.65 غيغاواط من الطاقة الشمسية الجديدة ، منها 13.73 غيغاواط في يوليو وحده .
كما ارتفع إنتاج الطاقة الشمسية بين يناير ويوليو بنسبة 15.5% على أساس سنوي ، ليصل إلى نحو 802.4 تيراواط / ساعة ، أي قرابة 13% من إجمالي استهلاك الكهرباء .
ولم يكن التوسع مقتصرا على الشمس .
فقد وصلت القدرة المركبة لطاقة الرياح إلى نحو 690 غيغاواط بنهاية يوليو ، في إشارة واضحة إلى أن بكين لا تراهن على مصدر واحد ، بل تبني منظومة متعددة المصادر تشمل الشمس والرياح والطاقة الكهرومائية والنووية .
لكن وراء هذه الأرقام قصة أكبر بكثير من مجرد تحول بيئي .
إنها قصة الأمن الطاقي .
فالحرب في إيران والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط ضعف الاقتصاد العالمي حساسية : اعتماد الدول الصناعية الكبرى على طرق بحرية يمكن أن تتحول في لحظة إلى ساحات للصراع .
وبالنسبة إلى الصين ، أكبر مستورد للنفط في العالم ، فإن أي اضطراب طويل في تدفقات الطاقة القادمة من الخليج لا يمثل مشكلة نفطية فحسب ، بل تهديدا مباشرا للصناعة والنقل والتجارة والنمو الاقتصادي بأكمله .
ومن هنا تبدأ أهمية الطاقة الشمسية في الحساب الصيني .
فكل كيلوواط / ساعة تنتجه الشمس أو الرياح أو الطاقة النووية أو الكهرومائية محليا يمكن ، في القطاعات القابلة للكهرباء ، أن يخفض الحاجة إلى استيراد الوقود .
وهذا هو جوهر التحول الذي تسعى إليه بكين : نقل مفهوم أمن الطاقة من مجرد تأمين تدفق النفط والغاز إلى بناء اقتصاد يمتلك مصادر كهرباء محلية، وشبكات واسعة ، وبطاريات للتخزين ، وقدرة متطورة على إدارة الطلب .
الألواح الشمسية لن تشغل الطائرات ولن تزود السفن العابرة للمحيطات بالوقود ، ولذلك لن تنهي اعتماد الصين على النفط في المدى المنظور .
لكنها تستطيع أن تقلل الحاجة إلى النفط والغاز والفحم في قطاع انتاج الكهرباء ، ومع توسع السيارات الكهربائية وكهربة الصناعة والنقل وبعض أنظمة التدفئة ، يمكن أن تتسع تدريجيا مساحة الاقتصاد التي تعمل بالكهرباء المنتجة محليا .
وهنا تحديدا تظهر القيمة الجيو – سياسية للتحول .
فمحطة شمسية تنتج الكهرباء من الشمس لا تحتاج إلى ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز ، ولا تتأثر مباشرة بسعر برميل النفط العالمي ، ولا تحتاج إلى حماية عسكرية لخطوط إمداد قادمة من منطقة تشهد حرباً أو توترا .
وبمجرد تركيبها وربطها بالشبكة ، تصبح تكلفة الطاقة مرتبطة بدرجة أكبر بالاستثمار والبنية التحتية المحلية ، وأقل ارتباطا بتقلبات الأسواق الدولية .
لكن الصين لم تصل ، بطبيعة الحال ، إلى الاستقلال عن النفط .
فخلال السنوات الأخيرة ، اعتمدت البلاد على الواردات لتغطية أكثر من 70% من استهلاكها النفطي ، مع حصة مهمة من هذه الواردات قادمة من الشرق الأوسط .
ولهذا كشفت الأزمة النفطية المرتبطة بالحرب في إيران عن حدود التحول الكهربائي الصيني .
فلا يزال النفط ضروريا للنقل البحري والطيران ، كما يمثل مادة أساسية لقطاعات واسعة من الصناعات البتروكيماوية .
ولهذا لجأت بكين إلى مزيج من الإجراءات لامتصاص الصدمة ، من استخدام المخزونات إلى خفض المشتريات وتنويع مصادر الإمداد . ووفق الأرقام الواردة في التقرير ، تراجعت واردات الصين من النفط الخام من متوسط بلغ 11.5 مليون برميل يوميا خلال السنوات الخمس السابقة إلى نحو 8 ملايين برميل يوميا منذ أبريل .
لكن الأهم من هذه الأرقام هو الاتجاه طويل الأمد .
فالطاقة الشمسية لا تمنح الصين بديلا كاملا عن النفط ، لكنها تمنحها شيئا قد يكون أكثر أهمية : القدرة على تقليص كمية الوقود الأحفوري التي يحتاجها اقتصادها لمواصلة النمو .
وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى اقتصاد صناعي بحجم الصين .
فبين شهري يناير و يوليو 2026، بلغ استهلاك الكهرباء في البلاد نحو 6139.9 تيراواط / ساعة، بزيادة 4.7% على أساس سنوي .
وكان النمو أسرع في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتصنيع المعدات ، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء بنسبة 9.7% .
وهذا يعني أن مستقبل النمو الصناعي الصيني سيكون ، بصورة متزايدة ، مرتبطا بالكهرباء .
وكلما تمكنت بكين من تغطية هذا الطلب الجديد بالشمس والرياح والطاقة النووية والمائية ، أصبح النمو الصناعي أقل ارتباطا بزيادة استهلاك الوقود الأحفوري المستورد .
لكن المعركة الحقيقية المقبلة ليست معركة الألواح الشمسية .
إنها معركة الشبكة.
فلا قيمة اقتصادية كاملة لقدرات شمسية هائلة إذا لم تستطع الشبكة نقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك ، أو تخزينها إلى حين الحاجة إليها .
ولهذا يتزامن التوسع الصيني في الطاقة الشمسية مع استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وأنظمة التخزين .
وخلال النصف الأول من سنة 2026، ارتفعت الاستثمارات في شبكات الكهرباء بنسبة 13.5%، بينما قفزت الاستثمارات في تخزين الطاقة بنسبة 74.3% .
وهذا الرقم الأخير ربما يكون أكثر أهمية من رقم الألواح الشمسية نفسه .
فالسؤال الذي تواجهه الصين لم يعد : كم غيغاواط إضافية تستطيع أن تبني من الطاقة الشمسية ؟ .
بل أصبح السؤال : كيف نحول هذه القدرة الهائلة إلى كهرباء موثوقة ، متاحة في المكان والوقت اللذين تحتاجهما الصناعة والمنازل والمدن ؟ .
وتزداد حدة السؤال مع ارتفاع الطلب على الكهرباء .
فقد توقعت الإدارة الوطنية الصينية للطاقة أن تبلغ ذروة الطلب على القدرة الكهربائية خلال الصيف ما بين 1575 و 1600 غيغاواط، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى خلال موجات الحر الواسعة .
وهنا يعود الفحم إلى الصورة.
فمحطات الفحم تستطيع إنتاج الكهرباء عند الحاجة ، ولذلك لا تزال تمثل بالنسبة إلى الصين شبكة أمان استراتيجية .
وبينما تجاوزت الشمس الفحم في القدرة المركبة ، لا يزال الفحم مسؤولا عن 49.7% من إنتاج الكهرباء .
بل إن الصين واصلت خلال النصف الأول من 2026 إضافة قدرات فحم جديدة ، إذ دخل نحو 30 غيغاواط من قدرات الفحم الخدمة خلال الأشهر الستة الأولى ، مقابل تقاعد 2.7 غيغاواط فقط .
وهذا يؤكد أن التحول الصيني ليس قطيعة مفاجئة مع الفحم ، بل استراتيجية مزدوجة : التوسع بأقصى سرعة في الطاقة النظيفة ، مع الاحتفاظ بقدرات حرارية توفر الاستقرار والمرونة للشبكة .
لكن لهذا التوسع ثمنا وتحديا آخر : فائض الكهرباء المتجددة .
فقد قدرت دراسات حديثة أن نحو 360 تيراواط / ساعة من طاقة الرياح والشمس تعرضت للهدر أو لم تستغل بصورة كاملة خلال النصف الأول من 2026 ، بزيادة قدرها 49% على أساس سنوي .
وهنا يتضح أن المرحلة المقبلة من الثورة الطاقية الصينية لن تكون ثورة في الإنتاج فقط ، وإنما ثورة في إدارة الكهرباء .
البطاريات ، وخطوط النقل فائقة القدرة ، والشبكات الذكية ، وتخزين الطاقة ، وإدارة الطلب ، ستصبح جزءا من الأمن الاقتصادي الصيني بالقدر نفسه الذي كانت تمثله ناقلات النفط وموانئ الاستيراد في العقود الماضية .
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية : الصناعة الصينية نفسها .
فتجاوز الشمس للفحم يخلق سوقا داخلية هائلة للألواح الشمسية والمحولات والبطاريات والكابلات ومعدات الشبكات وأنظمة التخزين . وهذا الطلب الداخلي يمنح الشركات الصينية قاعدة إنتاج ضخمة ، تساعدها على خفض التكلفة وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية .
وبذلك لا تتحول الصين فقط من مستهلك هائل للطاقة إلى مستهلك أكبر للكهرباء ، وإنما تتحول أيضا إلى قوة صناعية تسيطر على أجزاء واسعة من سلسلة القيمة الجديدة للطاقة ، من تصنيع الألواح والبطاريات إلى بناء الشبكات وأنظمة التخزين .
وهذا بدوره يفرض ضغوطا متزايدة على المنافسين ، خصوصا في أوروبا ، التي تحاول الحفاظ على قدراتها الصناعية في مجالات الطاقة الشمسية والبطاريات والتقنيات الكهربائية أمام المنافسة الصينية .
أما بالنسبة إلى الدول المنتجة للنفط ، فإن الرسالة الصينية لا تعني أن عصر النفط انتهى ، ولا أن بكين ستتوقف عن شراء النفط من الشرق الأوسط .
انما العكس هو الصحيح .
سيظل النفط ضروريا للصين لسنوات طويلة ، خصوصا في مجالات الطيران والنقل البحري والبتروكيماويات .
لكن السؤال الأهم ليس : هل ستتوقف الصين عن استيراد النفط ؟ .
بل: كم نفطاً ستحتاج الصين لاستمرار نموها؟.
وهنا تكمن الدلالة الحقيقية لتجاوز الشمس للفحم .

فالرقم 1286 غيغاواط مقابل 1285 غيغاواط ليس مجرد منافسة بين مصدرين للطاقة .
إنه إشارة إلى تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الصيني : من منظومة يعتمد نموها بكثافة على الوقود الأحفوري إلى منظومة يعتمد جزء متزايد من نموها على الكهرباء المنتجة محليا .
وإذا واصلت الصين توسيع الطاقة الشمسية والرياح ، وتطوير التخزين والشبكات ، وتسريع كهربة النقل والصناعة ، فإن الصدمات النفطية الخارجية ستظل تؤثر في اقتصادها ، لكنها ستجد أمامها اقتصادا أقل تعرضا لها مما كان عليه قبل عقد .
لقد أعادت الحرب في إيران ومخاطر مضيق هرمز تذكير العالم بأن الأمن الطاقي لا يزال رهينة الجغرافيا السياسية .
لكن الصين تحاول تغيير هذه المعادلة من جذورها .
بدلا من الاكتفاء بتأمين طرق النفط ، تبني قدرة تجعل جزءا متزايدا من اقتصادها أقل حاجة إلى تلك الطرق أصلا .
ولهذا فإن لحظة تجاوز الشمس للفحم قد لا تكون مجرد لحظة في تاريخ الكهرباء الصينية .
قد تكون، في معناها الأعمق ، بداية انتقال الصين من عصر كانت فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بتأمين الوقود ، إلى عصر تصبح فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بامتلاك الكهرباء ، والشبكات، والتخزين، والتكنولوجيا.
وربما هنا تحديدا تبدأ قصة ” ما بعد النفط الإيراني ” بالنسبة إلى بكين : ليس بإيقاف شراء النفط غدا ، وإنما بجعل الاقتصاد الصيني ، يوما بعد يوم ، أقل اعتمادا على برميل يأتي من وراء مضيق هرمزفالرقم 1286 غيغاواط مقابل 1285 غيغاواط ليس مجرد منافسة بين مصدرين للطاقة .
إنه إشارة إلى تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الصيني : من منظومة يعتمد نموها بكثافة على الوقود الأحفوري إلى منظومة يعتمد جزء متزايد من نموها على الكهرباء المنتجة محليا .
وإذا واصلت الصين توسيع الطاقة الشمسية والرياح ، وتطوير التخزين والشبكات ، وتسريع كهربة النقل والصناعة ، فإن الصدمات النفطية الخارجية ستظل تؤثر في اقتصادها ، لكنها ستجد أمامها اقتصادا أقل تعرضا لها مما كان عليه قبل عقد .
لقد أعادت الحرب في إيران ومخاطر مضيق هرمز تذكير العالم بأن الأمن الطاقي لا يزال رهينة الجغرافيا السياسية .
لكن الصين تحاول تغيير هذه المعادلة من جذورها .
بدلا من الاكتفاء بتأمين طرق النفط ، تبني قدرة تجعل جزءا متزايدا من اقتصادها أقل حاجة إلى تلك الطرق أصلا .
ولهذا فإن لحظة تجاوز الشمس للفحم قد لا تكون مجرد لحظة في تاريخ الكهرباء الصينية .
قد تكون، في معناها الأعمق ، بداية انتقال الصين من عصر كانت فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بتأمين الوقود ، إلى عصر تصبح فيه قوة الاقتصاد مرتبطة بامتلاك الكهرباء ، والشبكات، والتخزين، والتكنولوجيا.
وربما هنا تحديدا تبدأ قصة ” ما بعد النفط الإيراني ” بالنسبة إلى بكين : ليس بإيقاف شراء النفط غدا ، وإنما بجعل الاقتصاد الصيني ، يوما بعد يوم ، أقل اعتمادا على برميل يأتي من وراء مضيق هرمز.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *