الإمارات .. و مرض التشكيك الذي لا يرى في الخير إلا شبهة .
بقلم – ابوبكر الصغير .
مهما فعلت الإمارات ، ستبقى تحت الأنظار . ذلك قدر الدول التي اختارت أن تكون ناجحة ، وأن تصنع لنفسها نموذجا خاصا ، وأن تضع هذا النموذج أمام العالم باعتباره واحدا من أقصر الطرق إلى التنمية والازدهار والرفاه .
دولة الإمارات لا تستيقظ كل صباح لتبرر وجودها لأحد و لن تحتاج لذلك . تستيقظ لتنجز و لتبني و لتضيف لمسيرتها في الرقي و التقدم .
تبني اقتصادا أكثر تنافسية ، ومدناً أكثر ذكاء ، ومؤسسات أكثر كفاءة ، ومجتمعا أكثر انفتاحا وتعايشا .
تطلق مبادرة جديدة ، وتفتح بابا جديدا في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة ، وتستثمر في الإنسان ، وتقدم مساعدات إنسانية في مناطق الأزمات ، ثم تمضي إلى مشروع آخر .
وهنا تبدأ الحكاية العجيبة ، الغريبة .
فبدلاً من أن يكون السؤال : ماذا فعلت الإمارات ؟ يصبح السؤال عند بعضهم : لماذا فعلت الإمارات ذلك ؟ .
وبدلا من النظر إلى النتيجة ، يبدأ البحث عن النوايا.
وبدلا من الاحتفاء بالخير ، تتحول المساعدة إلى “مؤامرة”، والمبادرة إلى مد “ نفوذ”، والنجاح إلى “ دعاية ”، والتقدم إلى “ مشروع مشبوه ”.
إنه مرض التشكيك .
ليس المقصود هنا النقد الموضوعي الذي تحتاج إليه كل تجربة ناجحة ، فالإمارات ، مثل غيرها من الدول، ليست فوق النقد ولا فوق المساءلة.
لكن هناك فارقا كبيرا بين النقد الذي يبحث عن الحقيقة ، والتشكيك الذي يبحث عن تهمة .
الأول يسأل ويحقق ويقارن ويقدم الأدلة .
أما الثاني ، فيصدر الحكم أولا ثم يبحث عن الوقائع التي تخدمه .
وهذا بالضبط ما أصبحنا نراه في جزء من فضاء السوشيال ميديا الإلكتروني. حسابات ومنصات تكاد لا تنام ، تترقب كل خبر يتعلق بالإمارات ، لا لكي تفهمه أو تناقشه ، وإنما لكي تبحث عن ثقب صغير تدخل منه إلى موجة جديدة من الإساءة .
إذا أرسلت الإمارات مساعدات ، سألوا عن الغاية الخفية .
إذا انجزت مشروعا تنمويا ، بحثوا عن النفوذ .
إذا حققت إنجازا اقتصاديا ، قالوا إنه مجرد صورة إعلامية .
إذا نجحت في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ، شككوا في الإنجاز .
وإذا تصدرت مؤشرا دوليا ، بدأ البحث عن المؤشر نفسه وعن الجهة التي أصدرته وعن “المؤامرة ” التي تقف خلفه ! .
كأن هناك من قرر مسبقا أن الإمارات لا يمكن و لا تستطيع أن تفعل شيئا جيدا .
وهنا لا يعود الأمر متعلقا بالإمارات وحدها ، بل يصبح متعلقا بعقلية كاملة ترفض الاعتراف بالنجاح عندما يأتي من الآخرين .
هناك شيء من الحسد في المسألة ، وشيء من عدم القدرة على تقبل أن دولة عربية استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول إلى مركز عالمي للأعمال والاستثمار والطيران والسياحة والتكنولوجيا والابتكار ، وأن تبني لنفسها حضورا يتجاوز حدودها الجغرافية بكثير .
ان نجاح الإمارات يزعج البعض ليس لأنه فاشل ، وإنما لأنه ناجح .
وهذه حقيقة يصعب الاعتراف بها.
فالنجاح العربي حين يكون قريبا منا، يشكل مرآة محرجة أحيانا.
إنه يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه قاس : إذا استطاع الآخرون أن يفعلوا ذلك، فلماذا لم نفعل نحن؟ .
بدلا من طرح هذا السؤال على أنفسنا ، يصبح الأسهل مهاجمة التجربة الناجحة .
وهكذا يتحول الآخر إلى متهم ، وتتحول إنجازاته إلى شبهات ، ويصبح الفشل في فهم تجربته ذريعة لإنكارها .
الإمارات لم تدّع أنها دولة مثالية ، ولا ينبغي لأي دولة أن تدّعي ذلك .
لكنها قدمت خلال السنوات الماضية تجربة تستحق الدراسة، لا الشتيمة ، و التحليل، لا التشويه ، والنقد المسؤول ، لا حملات الكراهية.
والأهم أن نجاح الإمارات لم يبقَ محصوراً في حدودها . فقد اختارت أن تجعل من الانفتاح والتعاون والشراكات الدولية جزءا من فلسفتها ، وأن تحضر في ملفات إنسانية وتنموية وتكنولوجية تتجاوز مصالحها المباشرة .
قد يختلف الناس مع بعض خياراتها السياسية ، وهذا طبيعي ومشروع .
وقد يختلفون مع بعض سياساتها الاقتصادية أو الخارجية، وهذا أيضاً حق لا ينازعهم فيه أحد .
لكن الاختلاف لا يبرر الكذب ، والنقد لا يحتاج إلى افتراء ، والمعارضة لا تمنح أحدا رخصة للإساءة .
المشكلة الحقيقية أن وسائل التواصل الاجتماعي صنعت بيئة مثالية لهذا النوع من التشكيك .
فالكذبة أسرع من الحقيقة، والاتهام أكثر إثارة من الخبر، والمنشور الغاضب يجذب الانتباه أكثر من التقرير الهادئ .
وفي هذه البيئة ، أصبح بعضهم يتعامل مع الإمارات باعتبارها “مادة جاهزة ” للهجوم : يكفي أن يظهر اسمها حتى تبدأ ماكينة التأويل والاتهام .
لكن الحقيقة لا تتغير بكثرة التغريدات .
ولا يسقط الإنجاز لأن حسابا مجهولا شكك فيه.
ولا تتحول المساعدة الإنسانية إلى جريمة لأن شخصاً قرر أن يقرأها بنية سيئة.
ولا يمكن اختزال تجربة دولة بأكملها في مقطع مبتور أو منشور مجهول المصدر .
في النهاية، الزمن هو وحده الحكم الأكثر عدلا .
الدول لا تقاس بما يقوله خصومها عنها ، وإنما بما تبنيه على الأرض ، وما توفره لشعوبها، وما تتركه من أثر في محيطها والعالم.
والإمارات اختارت أن تجيب بالفعل و الإنجاز .
ولهذا ربما ستبقى دائما تحت الأنظار .
لكنها، في المقابل ، ستبقى مطالبة بشيء واحد فقط : أن تستمر في نفس النهج و تواصل النجاح .
فليس هناك رد أقوى على الكراهية من الإنجاز ، ولا على التشويه من الحقيقة ، ولا على الحسد من المزيد من النجاح .
أما الذين لا يرون في الإمارات ، مهما فعلت، إلا شبهة، فربما عليهم أن يسألوا أنفسهم سؤالا أكثر صدقا : هل المشكلة فعلا في الإمارات… أم في قدرتنا نحن على الاعتراف بنجاح الآخرين .
