تونس 37°C

24 جويلية 2026

تونس 38°C

24 جويلية 2026

الرماح حين تجتمع … حكمة الشعر و رسالة السياسة في زمن التحولات .

بقلم أ.حذامي محجوب (رئيس التحرير).

حين استحضر الدكتور أنور قرقاش بيت الشاعر العربي الخالد : “ تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّراً … وإذا افترقنَ تكسّرت آحادا ”،
لم يكن يستدعي صورة بلاغية عظيمة من ذاكرة الأدب العربي فحسب ، بل كان يبعث برسالة سياسية تختزل فلسفة كاملة في إدارة العلاقات بين الدول : أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم الإمكانات منفردة ، وإنما بقدرة الأشقاء على التكاتف حين تعصف بالمنطقة رياح التحولات .
و الاستاذ أنور قرقاش ليس شخصية عابرة في المشهد السياسي الإماراتي او العربي ، بل يُعد من أهم و أبرز مهندسي الدبلوماسية الإماراتية الحديثة .
فقد شغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية لسنوات ، وأسهم في صياغة كثير من ملامح السياسة الخارجية لدولة الإمارات ، قبل أن يتولى مهامه مستشارا دبلوماسيا لرئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد . وهو معروف بقراءاته الهادئة والعميقة لقضايا المنطقة ، وبخطاب يجمع بين الخبرة السياسية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى .
ومن هذا المنطلق ، فإن استحضاره هذا البيت الشعري في سياق الحديث عن العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لا يمكن اعتباره مجرد مجاملة سياسية أو تعبيرا أدبيا عابرا ، بل يحمل دلالات أعمق ترتبط بمستقبل الخليج كله .
إنها دعوة إلى ترسيخ مفهوم الشراكة الاستراتيجية ، وإدراك أن المرحلة الراهنة ، بما تحمله من تحديات جيو – سياسية وأمنية واقتصادية ، تفرض على دول الخليج تعزيز وحدتها وتنسيق مواقفها أكثر من أي وقت مضى .
ففي عالم اليوم ، لم تعد قوة الدول تُبنى على مواردها وحدها ، مهما عظمت ، بل على شبكة تحالفاتها وصلابة شراكاتها .
وحتى القوى الكبرى لا تحافظ على مكانتها إلا عبر منظومات تعاون واسعة ومصالح متبادلة . ومن هنا ، يصبح التضامن الخليجي خيارا استراتيجيا لا غنى عنه، وليس مجرد رغبة سياسية أو ظرفا عابرا .
لقد أثبتت التجارب أن الانقسام يستنزف حتى أكثر القوى رسوخا ، بينما يمنح التكاتف الدول قدرة أكبر على التأثير وصناعة القرار . والخليج العربي يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون رقما صعبا في معادلات السياسة والاقتصاد العالميين ، من موقعه الجغرافي الفريد ، إلى ثقله في أسواق الطاقة ، مرورا باقتصاداته المتنامية ومشاريعه التنموية الطموحة .
غير أن هذه المقومات تبلغ أقصى فاعليتها عندما تتحول إلى قوة جماعية متماسكة .
وفي قلب هذه المعادلة ، تبرز العلاقة السعودية الإماراتية بوصفها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المنطقة .
فالمملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي ودولي ، وبما تمتلكه من مكانة سياسية واقتصادية وروحية ، تشكل أحد أعمدة النظام الإقليمي .
وفي المقابل، رسخت دولة الإمارات مكانتها نموذجاً للتنمية والانفتاح والنجاح الاقتصادي والحضور الدبلوماسي المؤثر .
وعندما تتكامل رؤى البلدين وإمكاناتهما ، فإن الناتج لا يكون مجرد جمع لقوتين ، بل صناعة قوة إقليمية مضاعفة قادرة على التأثير في محيطها والعالم .
غير أن الرسالة الأعمق التي يحملها اقتباس قرقاش تكمن في أن التضامن لا يعني تطابق الرؤى في كل التفاصيل ، ولا إلغاء خصوصية كل دولة أو استقلالية قرارها ، وإنما يقوم على إدراك أن المصير المشترك أكبر من أي اختلافات ظرفية ، وأن الحكمة تقتضي تغليب المشتركات على نقاط التباين .
فالدول العظيمة تُقاس بمدى قدرتها على الحفاظ على تماسكها في أوقات الاختبار ، لا في لحظات الهدوء .
وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة ، من صراعات النفوذ إلى التحديات الاقتصادية والأمنية ، يغدو البيت الخليجي المتماسك صمام أمان للاستقرار الإقليمي . فالأمن لم يعد قضية داخلية فحسب ، والاقتصاد تجاوز حدود الجغرافيا ، والتحديات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها إلا بثقافة التعاون والثقة والتنسيق المستمر .
لقد اختصر بيت الشعر الذي استحضره أنور قرقاش فلسفة سياسية عابرة للأزمنة : فالرمح المنفرد قد ينكسر بسهولة ، أما الرماح إذا اجتمعت فإنها تتحول إلى قوة عصية على الكسر والاختراق .
وهي رسالة تؤكد أن مستقبل الخليج لن تصنعه قوة كل دولة على حدة ، بل إرادة العمل المشترك ، ووحدة الرؤية ، والإيمان بأن التضامن هو الاستثمار الأكثر أمنا في عالم سريع التقلب .
وفي عالم لا يمنح الاحترام إلا لمن يمتلك أسباب القوة ، تبقى الوحدة أعظم هذه الأسباب .
وحين تجتمع الرماح ، لا يكون اجتماعها مجرد تحالف سياسي ، بل يصبح ضمانة للاستقرار ، وحماية للمصالح ، ورهانا رابحا على مستقبل أكثر أمنا وازدهارا للمنطقة بأسرها .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية