38°C تونس
06/09/2026
دبي – قمة الإعلام العربي 2026 : حين يصبح الإعلام معركة على الوعي .
أراء وأفكار

دبي – قمة الإعلام العربي 2026 : حين يصبح الإعلام معركة على الوعي .

سبتمبر 6, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

من دبي ، لا تبدو الحكاية هذه المرة مجرد قمة جديدة للإعلام ، بل محاولة عربية لفتح نافذة واسعة على سؤال أكثر إلحاحا : كيف يمكن للإعلام العربي أن يروي المنطقة كما تراها هي، لا كما تُروى عنها ؟ .
في عالم تتسارع فيه الأخبار أسرع من قدرتنا على استيعابها ، وتتقدم الخوارزميات أحيانا على غرف الأخبار ، ويتحول الذكاء الاصطناعي من تقنية واعدة إلى لاعب أساسي في صناعة المعلومة ، تأتي قمة الإعلام العربي 2026 في توقيت يبدو أقرب إلى لحظة اختبار جماعي للإعلام العربي .
في مركز دبي التجاري العالمي ، خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر 2026 ، تلتقي السياسة بالإعلام ، والتكنولوجيا بالمحتوى ، والخبرة التقليدية بالجيل الجديد من صناع التأثير .
واللافت أن القمة ، في نسختها هي الأكبر في تاريخ الحدث ، تستقبل وزراء إعلام عرب ، في مشهد يتجاوز البروتوكول إلى دلالة سياسية ومهنية واضحة : الإعلام لم يعد شأنا مهنيا يخص الصحفيين وحدهم ، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن المعرفي وصناعة الوعي وصياغة صورة المنطقة في العالم .
من نقل الخبر إلى صناعة الرواية
لسنوات طويلة ، كان السؤال التقليدي أمام المؤسسات الإعلامية : كيف ننقل الحدث بسرعة و دقة ؟.
أما اليوم فقد تغير السؤال .
كيف نفسر الحدث ؟ ومن يملك القدرة على تقديم الرواية الأكثر إقناعا ؟ ومن يضمن ألا تتحول المعلومة إلى أداة للتضليل أو الاستقطاب ؟.
وهنا تكتسب كلمات منى غانم المرّي ، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام ورئيسة اللجنة التنظيمية للقمة، أهمية خاصة، حين تضع حماية الوعي وتعزيز الثقة والحضور العربي في صميم النقاش .
فالإعلام الذي يكتفي بوصف ما يحدث قد ينجح في نقل الصورة ، لكنه لا يصنع بالضرورة فهما لها .
أما الإعلام الذي يمتلك أدوات التحليل والتحقق والسرد ، فيستطيع أن يحول الخبر إلى معرفة ، والمعرفة إلى وعي ، والوعي إلى قدرة على التأثير .
الأخبار الكاذبة عابرة للحدود . الخوارزميات عابرة للحدود . الذكاء الاصطناعي عابر للحدود . والمنصات التي تصنع اتجاهات الرأي العام لا تنتظر قرارا من غرفة أخبار عربية .
لذلك فإن اجتماع صناع القرار الإعلامي العرب يطرح فرصة نادرة للانتقال من تبادل التجارب إلى التفكير في أسئلة مشتركة :
كيف نحمي الجمهور من التضليل دون أن نضيّق مساحة التعبير؟.
كيف تستخدم المؤسسات الإعلامية الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد هويتها المهنية والإنسانية ؟.
كيف تستعيد الصحافة ثقة جمهور بات يحصل على الأخبار من هاتفه ، ومن المؤثرين ، ومن خوارزميات لا يعرف كيف تعمل ؟.
وكيف يستطيع الإعلام العربي أن ينافس عالميا ، لا بعدد المنصات فقط ، وإنما بقوة القصة التي يقدمها ؟.
دبي… حين تتحول القمة إلى مختبر .
أكثر من 400 متحدث من المنطقة والعالم ، وأكثر من 175 جلسة نقاشية وحوارية ، وحضور يقترب من 10 آلاف إعلامي ومختص ، إلى جانب أكثر من 200 شخصية وقيادة إعلامية وفكرية من خارج الإمارات .
الأرقام كبيرة ، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في حجمها .
القيمة في تنوع الأصوات التي ستلتقي تحت سقف واحد : رؤساء تحرير ، قيادات مؤسسات إعلامية ، صحفيون ، صناع محتوى ، مؤثرون ، أكاديميون ، وخبراء في التكنولوجيا الإعلامية .
وهذا التنوع يعكس حقيقة واحدة : لم يعد هناك إعلام واحد .
هناك التلفزيون والصحيفة و. المنصة الرقمية والبودكاست وصانع المحتوى والهاتف الذكي والذكاء الاصطناعي … وكلها تتنافس على الشيء نفسه : انتباه الإنسان وثقته .
المعركة المقبلة ليست على الخبر … بل على الثقة .
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية الذي تطرحه القمة .
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج نصوص وصور وأصوات تبدو حقيقية ، لم تعد السرعة وحدها ميزة تنافسية .
قد يستطيع الجميع إنتاج المحتوى ، لكن ليس الجميع يستطيع إنتاج الثقة .
وهنا يعود الدور الأساسي للإعلام المهني : التحقق ، والسياق ، والمسؤولية ، والقدرة على الاعتراف بالخطأ ، والأهم من ذلك كله القدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع الجمهور .
في قلب القمة فكرة تبدو بسيطة ، لكنها شديدة العمق : أن يقدم الإعلام العربي رواية المنطقة من داخلها ، بلغتها وقيمها وتطلعاتها ، وبمعايير مهنية تستطيع المنافسة عالميا .
وهذا لا يعني الانغلاق على الذات أو رفض الروايات الأخرى .
بل يعني أن تكون المنطقة قادرة على امتلاك أدوات سرد قصتها ، وأن تنتقل من كونها موضوعا دائما للتغطية إلى طرف يمتلك روايته وتحليله وصوته .
ففي عالم تتصارع فيه الروايات بقدر ما تتصارع المصالح ، من لا يروي قصته ، سيجد آخرين يروونها نيابة عنه .
لهذا تبدو قمة الإعلام العربي 2026 أكثر من مناسبة تجمع أهل الإعلام .
إنها محاولة لطرح الإعلام باعتباره مسؤولية عربية مشتركة ، مسؤولية لا تبدأ من غرف الأخبار وتنتهي عند شاشات التلفزيون ، وإنما تمتد إلى المدارس والجامعات والمنصات الرقمية ومجتمعات صناع المحتوى وكل مساحة يتشكل فيها وعي الإنسان .
التحدي أن نقرر نحن ، كإعلام عربي ، كيف نريد أن نكون داخل هذا العالم المتغير : متلقين للتحولات، أم شركاء في صناعتها ؟.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تحملها قمة 2026 : أن مستقبل الإعلام العربي لن يُحسم بعدد الأخبار التي ينشرها، بل بقدرته على صناعة المعنى، وحماية الوعي، واستعادة الثقة، وامتلاك الرواية .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *