38°C تونس
06/09/2026
سبتة … حين تتحول الحدود إلى ورقة في لعبة الجغرافيا السياسية .
الافتتاحية

سبتة … حين تتحول الحدود إلى ورقة في لعبة الجغرافيا السياسية .

سبتمبر 6, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

ليست أزمة سبتة مجرد موجة هجرة أربكت إسبانيا خلال يومي 30 و31 يوليو ، ولا مجرد تدفق بشري مفاجئ على حدود أوروبية شديدة الحساسية .
ما حدث بسبتة أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكثر عمقًا وخطورة : ماذا يحدث عندما تتحول الحدود وحركة البشر من مجرد مسألة أمنية وإنسانية إلى أدوات في لعبة العلاقات بين الدول ؟.
الأكثر دلالة في موقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام البرلمان لم يكن نفيه المباشر لتورط المغرب ، بل صياغته الحذرة التي أبقت الباب مفتوحًا أمام أي تطورات أو أدلة جديدة .
وفي المقابل ، تحدثت تقارير أمنية إسبانية عن تدفق جماعي لم يكن عفويًا بالكامل ، وعن وجود عناصر مغربية يُعتقد أنها وجهت مهاجرين نحو نقاط عبور محددة .
لكن اختزال القضية في سؤال واحد : ” هل خطط المغرب لما حدث أم لا؟ ” . قد يقود إلى قراءة سطحية لأزمة أكثر تعقيدًا.
فبين القرار السياسي المباشر وبين التساهل في مراقبة الحدود ، توجد منطقة رمادية واسعة .
وفي هذه المنطقة تحديدًا تتقاطع الحسابات الأمنية مع المصالح السياسية ، ويصبح من الصعب فصل أزمة سبتة عن طبيعة العلاقة المركبة بين مدريد والرباط .
ان الهجرة لم تعد مجرد ملف إنساني أو أمني .
لقد تحولت ، في السنوات الأخيرة ، إلى إحدى أوراق النفوذ الجيوسياسي .
والدولة التي تتحكم في مسارات الهجرة ، أو تستطيع التأثير في تدفقها ، تمتلك قدرًا من الضغط والتفاوض مع الطرف المقابل ، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحدود ترتبط أصلًا بملف سيادي بالغ الحساسية .
وهنا تظهر المعضلة الإسبانية بوضوح .
مدريد تريد حماية سبتة ومليلية وتأمين حدودها ، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى المغرب في ملفات لا تقل أهمية : مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ، ضبط الهجرة غير النظامية ، التجارة ، الطاقة ، والتعاون الأمني .
إنها معادلة شديدة التعقيد : إسبانيا تريد السيطرة على حدودها ، لكنها تحتاج إلى تعاون الدولة الموجودة على الجانب الآخر منها . ولذلك فإن اتهام الرباط من دون أدلة حاسمة قد يهدد شراكة تحتاج إليها مدريد ، في حين أن تبرئتها بصورة نهائية قد تعني تجاهل الأسئلة التي تطرحها أجهزتها الأمنية .
من هنا يمكن فهم موقف سانشيز : لا اتهام مباشر ، ولا تبرئة نهائية .
إنه موقف سياسي يحاول الحفاظ على الشراكة مع المغرب ، من دون إغلاق الباب أمام فرضية وجود دور مغربي ، مباشر أو غير مباشر، في ما جرى .
لكن أزمة سبتة تحمل درسًا يتجاوز حدود إسبانيا والمغرب .
لقد كشفت هشاشة الاعتماد الأوروبي المتزايد على دول جنوب المتوسط في إدارة الحدود الأوروبية .
فأوروبا تحتاج إلى دول الجوار لضبط تدفقات الهجرة وحماية أمنها ، لكن هذه الحاجة نفسها تمنح تلك الدول هامشًا من المناورة والتفاوض .
ولا يعني ذلك أن كل موجة هجرة هي مؤامرة ، أو أن كل تحرك جماعي للمهاجرين تقف خلفه دولة .
لكن من السذاجة أيضًا التعامل مع الهجرة باعتبارها ظاهرة منفصلة عن السياسة .
خلف حركة آلاف البشر توجد سياسات حدود ، واتفاقات أمنية ، ومصالح اقتصادية ، وحسابات دبلوماسية ، وأحيانا رسائل سياسية غير معلنة .
وعندما تتقاطع هذه الحركة مع نزاع سيادي قديم وحساس ، فإن الهجرة تتجاوز بعدها الإنساني والأمني لتصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع .
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل مدريد ليس فقط : ” من يقف وراء ما حدث في سبتة ؟ ” ، وإنما سؤال أكثر استراتيجية : هل تستطيع إسبانيا بناء شراكة طويلة الأمد مع المغرب من دون أن تتحول هذه الشراكة إلى درجة من الاعتماد تجعلها أكثر هشاشة أمام الخلافات والأزمات ؟.
أزمة سبتة لن تنهي العلاقات الإسبانية المغربية ، لكنها كشفت حدود التوازن الذي حاول الطرفان بناءه خلال السنوات الماضية : تعاون وثيق في الأمن والهجرة والاقتصاد ، يقابله ملف سيادي لم يُحسم ، وتظل تداعياته قادرة على الظهور كلما اختلت قواعد التفاهم .
ولذلك قد تكون عبارة سانشيز بأن ” العلاقات ستكون مختلفة ” أهم من كل الجدل الذي رافق الأزمة .
فالمسألة في النهاية لا تتعلق فقط بمن فتح الحدود أو أغلقها ، ولا بمن سمح بالتدفق أو حاول وقفه .
إنها تتعلق بعالم تتداخل فيه الهجرة مع الأمن ، والحدود مع السيادة ، والتعاون مع الضغط ، والدبلوماسية مع القوة .
وفي هذا العالم ، لم تعد الحدود مجرد خطوط تفصل بين الدول .
لقد أصبحت الحدود نفسها … ورقة في لعبة القوة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *