بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن التحوّل المفاجئ في نبرة الخطاب بين واشنطن وبوغوتا متوقعا ، ولا يبدو في ظاهره انعكاسا لمسار سياسي مستقر .
فبعد أشهر من التصعيد والتهديدات المتبادلة ، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتصال هاتفي مع نظيره الكولومبي غوستافو بيترو، أعقبه توجيه دعوة رسمية له لزيارة البيت الأبيض . خطوة قرأها البعض كإشارة تهدئة ، لكنها في عمقها تعبّر عن تعقيدات سياسية أوسع من مجرد مكالمة دبلوماسية عابرة .
العلاقة بين الرجلين بلغت ، في الأشهر الماضية، درجة غير مسبوقة من التوتر. إدارة ترامب لم تكتفِ بالضغط السياسي ، بل أقدمت في سبتمبر 2025 على سحب تأشيرة دخول الرئيس بيترو إلى الولايات المتحدة ، على خلفية مشاركته في تظاهرة داعمة لغزة بنيويورك .
ثم بلغ التصعيد ذروته عقب عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حين أطلق ترامب تصريحات صادمة اتهم فيها القيادة الكولومبية بالتورط في تجارة الكوكايين ، ولمّح صراحة إلى احتمال تدخل عسكري داخل الأراضي الكولومبية .
كان ردّ الشارع الكولومبي سريعا وغاضبا .
عشرات الآلاف خرجوا إلى الساحات في تظاهرات وُصفت بغير المسبوقة ، رافعين شعار الدفاع عن السيادة الوطنية . لم تكن الاحتجاجات مجرد دعم للرئيس، بل رفضا مباشرا لما اعتبره الكولومبيون استهانة أميركية بكرامة دولتهم .
أُحرقت الأعلام الأميركية في بعض المدن ، وارتفعت شعارات تؤكد أن كولومبيا ليست مستعمرة ، في مشهد أعاد إلى الذاكرة تاريخا طويلا من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية .
غوستافو بيترو، المعروف بموقفه النقدي الحاد من السياسات الأميركية في المنطقة ، استثمر هذا الزخم الشعبي لتعزيز خطابه السيادي .
ندّد بالغارات الأميركية ضد قوارب يُشتبه نقلها للمخدرات ، وهاجم بشدة عملية اختطاف مادورو وزوجته ، معتبرا إياها انتهاكا صارخاً لسيادة دولة جارة . ذهب أبعد من ذلك حين لوّح ، في خطاب أثار جدلا واسعا ، باستعداده للعودة إلى حمل السلاح إذا ما تعرّضت بلاده لعدوان عسكري، محذّرا من أن أي تدخل خارجي سيشعل مقاومة شعبية واسعة النطاق .
وسط هذا المناخ المشحون، جاء الاتصال الهاتفي بين ترامب وبيترو ليقلب المشهد رأسا على عقب.
الرئيس الأميركي، المعروف بتقلّباته الحادة، نشر رسالة تصالحية تحدث فيها عن ” نبرة إيجابية ” للمحادثة، وعن رغبته في لقاء قريب .
أما بيترو، فتعامل بحذر واضح ، مذكّرا بأن المسافة بين الأقوال والأفعال لا تزال قائمة ، لكنه شدد على أن الحوار، مهما كان هشا ، يبقى أقل كلفة من المواجهة المفتوحة : من دون حوار، تكون الحرب ” ، عبارة اختزلت موقفه أمام أنصاره.
القراءة السياسية لهذا الانفراج لا تذهب إلى اعتباره نهاية للأزمة ، بل إعادة تموضع مؤقتة فرضتها حسابات المصالح .
فالحالة الكولومبية تختلف جذريا عن النموذج الفنزويلي : رئيس منتخب شرعيا ، مؤسسات قائمة ، وانتخابات تلوح في الأفق .
كما أن كولومبيا تظل حليفا استراتيجيا لواشنطن في ملف مكافحة المخدرات ، وحدودها الطويلة مع فنزويلا تجعلها رقما صعبا في أي معادلة إقليمية .
لذلك، يبدو خيار التدخل العسكري بالغ الكلفة سياسيا وأمنيا ، حتى لإدارة تميل إلى خطاب القوة والاستعراض .
داخليا ، لا يزال الانقسام حادا . اليمين الكولومبي أيّد العملية الأميركية ضد مادورو، وهاجم بيترو بتهمة الانحياز إلى ” الكاستروتشافيزية ” ، في حين يردّ الرئيس بأن هذا الخطاب يخدم أجندات خارجية ويشوّه حقيقة موقفه ، مؤكداً أنه لم يغيّر الدستور، ولم يقمع المعارضة، ولم يكمّم الإعلام .
ومع اقتراب نهاية ولايته ، يدرك الجميع أن واشنطن ستسعى ، كما فعلت تاريخيا ، للتأثير في المشهد الانتخابي المقبل.
ما جرى بين واشنطن وبوغوتا ليس مصالحة بقدر ما هو هدنة سياسية هشة. مكالمة هاتفية أوقفت الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة ، لكنها لم تُنهِ جذور التوتر العميقة : السيادة، النفوذ، تجارة المخدرات، وصراع القيادة في أميركا اللاتينية.
وبين خطاب القوة الأميركية وطموح بيترو لقيادة يسار إقليمي متمرّد ، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحوار سيستمر، بل إلى متى ستصمد هذه التهدئة قبل أن يعود التصعيد بوجه جديد.

