تونس 13°C

13 جانفي 2026

تونس 38°C

13 جانفي 2026

واشنطن و بوغوتا : من حافة المواجهة إلى طاولة الحوار .

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم يكن التحوّل المفاجئ في نبرة الخطاب بين واشنطن وبوغوتا متوقعا ، ولا يبدو في ظاهره انعكاسا لمسار سياسي مستقر .
فبعد أشهر من التصعيد والتهديدات المتبادلة ، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتصال هاتفي مع نظيره الكولومبي غوستافو بيترو، أعقبه توجيه دعوة رسمية له لزيارة البيت الأبيض . خطوة قرأها البعض كإشارة تهدئة ، لكنها في عمقها تعبّر عن تعقيدات سياسية أوسع من مجرد مكالمة دبلوماسية عابرة .
العلاقة بين الرجلين بلغت ، في الأشهر الماضية، درجة غير مسبوقة من التوتر. إدارة ترامب لم تكتفِ بالضغط السياسي ، بل أقدمت في سبتمبر 2025 على سحب تأشيرة دخول الرئيس بيترو إلى الولايات المتحدة ، على خلفية مشاركته في تظاهرة داعمة لغزة بنيويورك .
ثم بلغ التصعيد ذروته عقب عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حين أطلق ترامب تصريحات صادمة اتهم فيها القيادة الكولومبية بالتورط في تجارة الكوكايين ، ولمّح صراحة إلى احتمال تدخل عسكري داخل الأراضي الكولومبية .
كان ردّ الشارع الكولومبي سريعا وغاضبا .
عشرات الآلاف خرجوا إلى الساحات في تظاهرات وُصفت بغير المسبوقة ، رافعين شعار الدفاع عن السيادة الوطنية . لم تكن الاحتجاجات مجرد دعم للرئيس، بل رفضا مباشرا لما اعتبره الكولومبيون استهانة أميركية بكرامة دولتهم .
أُحرقت الأعلام الأميركية في بعض المدن ، وارتفعت شعارات تؤكد أن كولومبيا ليست مستعمرة ، في مشهد أعاد إلى الذاكرة تاريخا طويلا من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية .
غوستافو بيترو، المعروف بموقفه النقدي الحاد من السياسات الأميركية في المنطقة ، استثمر هذا الزخم الشعبي لتعزيز خطابه السيادي .
ندّد بالغارات الأميركية ضد قوارب يُشتبه نقلها للمخدرات ، وهاجم بشدة عملية اختطاف مادورو وزوجته ، معتبرا إياها انتهاكا صارخاً لسيادة دولة جارة . ذهب أبعد من ذلك حين لوّح ، في خطاب أثار جدلا واسعا ، باستعداده للعودة إلى حمل السلاح إذا ما تعرّضت بلاده لعدوان عسكري، محذّرا من أن أي تدخل خارجي سيشعل مقاومة شعبية واسعة النطاق .
وسط هذا المناخ المشحون، جاء الاتصال الهاتفي بين ترامب وبيترو ليقلب المشهد رأسا على عقب.
الرئيس الأميركي، المعروف بتقلّباته الحادة، نشر رسالة تصالحية تحدث فيها عن ” نبرة إيجابية ” للمحادثة، وعن رغبته في لقاء قريب .
أما بيترو، فتعامل بحذر واضح ، مذكّرا بأن المسافة بين الأقوال والأفعال لا تزال قائمة ، لكنه شدد على أن الحوار، مهما كان هشا ، يبقى أقل كلفة من المواجهة المفتوحة : من دون حوار، تكون الحرب ” ، عبارة اختزلت موقفه أمام أنصاره.
القراءة السياسية لهذا الانفراج لا تذهب إلى اعتباره نهاية للأزمة ، بل إعادة تموضع مؤقتة فرضتها حسابات المصالح .
فالحالة الكولومبية تختلف جذريا عن النموذج الفنزويلي : رئيس منتخب شرعيا ، مؤسسات قائمة ، وانتخابات تلوح في الأفق .
كما أن كولومبيا تظل حليفا استراتيجيا لواشنطن في ملف مكافحة المخدرات ، وحدودها الطويلة مع فنزويلا تجعلها رقما صعبا في أي معادلة إقليمية .
لذلك، يبدو خيار التدخل العسكري بالغ الكلفة سياسيا وأمنيا ، حتى لإدارة تميل إلى خطاب القوة والاستعراض .
داخليا ، لا يزال الانقسام حادا . اليمين الكولومبي أيّد العملية الأميركية ضد مادورو، وهاجم بيترو بتهمة الانحياز إلى ” الكاستروتشافيزية ” ، في حين يردّ الرئيس بأن هذا الخطاب يخدم أجندات خارجية ويشوّه حقيقة موقفه ، مؤكداً أنه لم يغيّر الدستور، ولم يقمع المعارضة، ولم يكمّم الإعلام .
ومع اقتراب نهاية ولايته ، يدرك الجميع أن واشنطن ستسعى ، كما فعلت تاريخيا ، للتأثير في المشهد الانتخابي المقبل.
ما جرى بين واشنطن وبوغوتا ليس مصالحة بقدر ما هو هدنة سياسية هشة. مكالمة هاتفية أوقفت الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة ، لكنها لم تُنهِ جذور التوتر العميقة : السيادة، النفوذ، تجارة المخدرات، وصراع القيادة في أميركا اللاتينية.
وبين خطاب القوة الأميركية وطموح بيترو لقيادة يسار إقليمي متمرّد ، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحوار سيستمر، بل إلى متى ستصمد هذه التهدئة قبل أن يعود التصعيد بوجه جديد.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية