تونس 18°C

11 فيفري 2026

تونس 38°C

11 فيفري 2026

القفطان المغربي… من فنّ الإبرة إلى سجل التراث العالمي.

بقلم حذامي محجوب.

لم يكن إدراج القفطان المغربي ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي حدثًا عابرًا أو مجرد اعتراف دولي بقطعة لباس تقليدية، بل كان لحظة تتويج لحضارة بكاملها، حضارة تجتمع فيها الذاكرة بالجمال، والحرفة بالروح، وتتحوّل فيها الخيوط إلى مسارٍ يصل الإنسان المغربي بجذوره العميقة. لقد أعلنت اليونسكو، من خلال هذا الإدراج، أن القفطان لم يعد ملكًا لجغرافيا واحدة، بل صار جزءًا من ذاكرة الإنسانية، بعدما ظل طويلًا عنوانًا لنبض مملكة جعلت من الأصالة أسلوب حياة، ومن الجمال لغة لا تنطفئ.

فالقفطان ليس مجرد ثوب يُرتدى، إنه قصيدة حيّة تُكتب بالإبرة، وتُقرأ بالعينيْن، وتُلامَس بالروح. تتداخل في خيوطه الألوان كما تتداخل طبقات الوجدان المغربي، وتتلألأ على سطحه حكايات مدن وأسواق وقصور، وذكريات أعراس وأعياد، وصور نساء رسّخن حضورهن عبر الأجيال. في كل غرزة، وفي كل تطريزة، تنبض يدٌ خبيرة تصون سرّ الحرفة، وتعيد رواية التاريخ بصبرٍ لا يعرف التسرّع.

وحين ينساب القفطان على الجسد، يصبح الجسد نفسه تاريخًا يتحرك. كأن خيوطه تستعيد، في كل التفافة، صدى أندلس بعيدة، ودفء أسواق فاس، ورائحة أزقة مراكش، وصوت البحر وهو يلامس شطآن مدن مغربية صاغت ذوقها من امتداد الجغرافيا واتساع الذاكرة. إن القفطان ليس هوية فحسب، بل طريقة مغربية في النظر إلى العالم: خليط من رصانة ملكية وأناقة شعبية، من فخامة محفوظة في الصدور وتواضع ينتمي إلى البيوت.

القفطان المغربي، أكثر من لباس، هو زمن يُستعاد في كل خيط ، وتاريخًا يتجدد. فقد تأثرت هيئته وتصاميمه بعمق موجات الهجرات الأندلسية ،التي حملت معها فنون الزي الملكي والمدني بالاندلس قبل أن يحتضنها المغرب ويوائمها داخل هويته الخاصة ، ليصبح القفطان لغة قائمة بذاتها، لغة بلا صوت، لكنها قادرة على إعلان هوية كاملة، هوية تجمع بين الفخامة الملكية والأناقة الشعبية، وتعكس طبيعة المغرب كبلد يحفظ تراثه بوفاء، ويحسن في الوقت نفسه تحويله إلى مستقبل نابض بالحياة.

ولم يكن اعتراف اليونسكو سوى نتيجة طبيعية لمسار طويل قاوم فيه الحرفيون النسيان، وجعلوا من كل قطعة قفطان عملاً فنيًا يحمل جزءًا من روحهم. فخلف كل خيط يقف حرفيّ علمته التجربة أن الجمال يحتاج إلى صبر، وأن التراث لا يعيش إلا بمن يختار أن يصونه. إن إدراج القفطان هو أيضًا تكريم لتلك الأيادي التي صاغت الجمال على ضوء القناديل، وتوارثت سرّ الإبرة كما تُورَّث القيم والمبادئ.

كما يعكس هذا التتويج عملًا دبلوماسيًا راقيًا، وإرادة دولة تدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل قوة ناعمة تصنع الاحترام وتؤسس للصورة الدولية. فقد قدّمت المؤسسات المغربية ملفًا متكاملًا يليق بالقفطان، يبرّز غناه وتعدده وتطوره التاريخي، ويشهد على حضوره اليومي في حياة المغاربة، وفي فنونهم وأعيادهم واحتفالاتهم.

وهكذا، يمضي القفطان المغربي اليوم نحو العالم بثقة، لا بوصفه تراثًا جامدًا، بل ككائن حيّ احتضنته القرون وصانته الحرفيات والحرفيون كما تُصان الأسرار. قطعة قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تحمل من الرمزية ما يجعلها جسرًا بين ذاكرة المغرب وروحه، وبين ماضيه المتجذر ومستقبله الذي يصنعه بثبات ورفعة.

وفي لحظة الاعتراف الأممية هذه، ارتفع القفطان من فضاءات الاحتفال الخاصة إلى فضاءات الإنسانية جمعاء، معلنًا أن الجمال حين يولد من الأصالة، يملك القدرة على العبور، وعلى البقاء.

إنه قصة مغربية خالدة… كتبتها الإبرة، ووقّعتها اليونسكو بختم الاعتراف.

ا

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية