38°C تونس
21/08/2026
محاكمة ” ميتا ” .. حين يصبح انتباه الأطفال قضية .
الافتتاحية

محاكمة ” ميتا ” .. حين يصبح انتباه الأطفال قضية .

أغسطس 21, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

تواجه شركة ” ميتا ” ، المالكة لـ ” فيسبوك ” و ” إنستغرام ” ، واحدة من أخطر معاركها القضائية ، في قضية تتجاوز الشركة لتطرح سؤالا أكبر حول مسؤولية عمالقة التكنولوجيا عن الآثار النفسية والاجتماعية لمنصاتهم، خصوصاً على الأطفال والمراهقين .
في مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا، بدأت في 18 أغسطس محاكمة تشارك فيها 29 ولاية أمريكية ، تتهم ” ميتا ” بتصميم منصاتها بطريقة تجعلها شديدة الجاذبية والإدمان للقاصرين ، وبمعرفة مخاطرها النفسية من دون اتخاذ إجراءات كافية لمعالجتها ، فضلا عن جمع بيانات أطفال دون الثالثة عشرة بصورة غير قانونية .
وتطالب الولايات بتعويضات تقارب 200 مليار دولار ، بينما قد تصل العقوبات النظرية ، وفق بعض التقديرات، إلى نحو 1.4 تريليون دولار .
ولا تتمحور القضية حول محتوى محدد ، بل حول طريقة تصميم المنصات نفسها : الخوارزميات ، الإشعارات ، التمرير اللانهائي والتوصيات التي تهدف إلى إبقاء المستخدم متصلاً لأطول وقت ممكن .
وهنا يبرز السؤال الجوهري : هل تقدم هذه المنصات خدمة للتواصل ، أم تحول انتباه المستخدم إلى سلعة تدر مليارات الدولارات من الإعلانات ؟ .
وترفض ” ميتا ” الاتهامات، مؤكدة عدم وجود إجماع علمي يثبت علاقة سببية مباشرة بين استخدام شبكات التواصل وتدهور الصحة النفسية للمراهقين ، كما تشير إلى إجراءات اتخذتها لحماية القاصرين ، من بينها ” حسابات إنستغرام للمراهقين ” التي أطلقتها عام 2024.
لكن شهادات موظفين سابقين ، بينهم المهندس أرتورو بيخار، أعادت تسليط الضوء على مخاوف داخلية بشأن أدوات حماية الأطفال وطريقة تصميم بعض المنتجات .
وتكتسب القضية أهمية أكبر مع الأرقام الواردة فيها ، إذ تشير المعطيات إلى تسجيل 4.6 ملايين طفل دون الثالثة عشرة حسابات على ” إنستغرام ” بين 2012 و 2024 في الولايات الأربع التي تقود الدعوى . كما أظهرت بيانات ” ميتا ” أن نسبة من المراهقين تعرضوا لمحتويات عنيفة أو جنسية ، في حين لم يستخدم سوى 0.2 بالمئة خاصية ” أخذ استراحة ” التي توفرها الشركة لتنظيم وقت الاستخدام .
وتعيد هذه المواجهة إلى الأذهان المعركة التي خاضها المجتمع الأمريكي ضد شركات التبغ ، بعدما أصبح من الصعب قبول حجة أن المستهلك وحده مسؤول عن إدمانه عندما يكون المنتج مصمماً لتعزيز هذا الإدمان .
واليوم ، يطرح العالم السؤال نفسه أمام التكنولوجيا : إذا كانت المنصة مصممة لاستغلال نقاط ضعف المستخدم وإطالة مدة بقائه ، فهل يمكن تحميل الفرد وحده مسؤولية النتائج ؟ .
ولا تقتصر المواجهة على ” ميتا ” ، إذ تواجه شركات مثل ” تيك توك ” و ” سناب شات ” و ” يوتيوب ” دعاوى مشابهة ، فيما تتجه الحكومات إلى تشديد الرقابة على تصميم المنصات وحماية القاصرين .
وتأتي هذه المعركة في لحظة تتقدم فيها جبهة جديدة هي الذكاء الاصطناعي ، الذي يفتح علاقة أكثر مباشرة بين الأطفال والتكنولوجيا ، ما يجعل مسألة الحماية أكثر تعقيدا .
في النهاية، محاكمة ” ميتا ” ليست مجرد نزاع على مليارات الدولارات ، بل اختبار لحدود القوة التي اكتسبتها المنصات الرقمية على حياة الأجيال الجديدة .
والسؤال الحقيقي ليس فقط : ماذا يشاهد الأطفال على هواتفهم ؟ بل : من يتحكم في انتباههم ، ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول هذا الانتباه إلى مصدر للربح والأذى في آن واحد ؟ .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *