38°C تونس
24/08/2026
إيران .. من نصرة القضايا إلى هندسة الفوضى في العالم العربي .
أراء وأفكار

إيران .. من نصرة القضايا إلى هندسة الفوضى في العالم العربي .

أغسطس 23, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

لماذا تريد إيران أن تزايد على أمتنا ، على العرب والمسلمين في قضاياهم و شؤونهم و حتى عقائدهم ؟ .
ولماذا تصرّ طهران على تقديم نفسها بوصفها الوصي على بلدان كفلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن الخ .. وكأن شعوب هذه الدول فقدت حقها في تقرير مصيرها بنفسها ، وأصبحت بحاجة إلى من يتحدث باسمها ويقرر عنها ؟ .
ان السؤال لم يعد : هل تدعم إيران بعض القضايا العربية صدقا و فعلا ؟ .
بل أصبح : ماذا تريد إيران من قضايانا ؟ .
من فلسطين إلى لبنان ، ومن العراق إلى سوريا واليمن ، بنت طهران خلال عقود شبكة واسعة من الاتباع و الحلفاء و المليشيات و الفصائل المسلحة ، مستخدمة الدعم المالي والعسكري والسياسي لتوسيع نفوذها الإقليمي .
تشير دراسات دولية إلى أن هذه الشبكة أصبحت إحدى أهم أدوات إيران لتعزيز نفوذها وممارسة الضغط على خصومها في المنطقة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى : القضية الفلسطينية ، التي هي قضية عربية وإسلامية وإنسانية قبل أن تكون ورقة في صراع النفوذ ، تتحول في الخطاب الإيراني إلى مدخل دائم لتبرير التمدد والتدخل .
ولبنان لا يُنظر إليه باعتباره دولة ذات سيادة ، بل كساحة نفوذ و تدخل و املاءات .
والعراق لا يُترك ليقرر وحده موقعه الإقليمي و مصيره .
واليمن يتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية و ساحة مليشيات ارهابية تابعة .
فيما أصبحت سوريا لسنوات ممرا أساسيا لشبكة النفوذ الإيرانية .
ماذا تريد إيران تحديدا من كل ذلك؟
انها تريد أن تكون هي وحدها من يرسم حدود اللعبة ، ويحدد من يملك السلاح ، ومن يقرر الحرب والسلم، ومن يملك حق الاعتراض ، ومن يملك حق التفاوض .
ايران تريد أن تكون صاحبة الكلمة في ساحات عربية متعددة ، وأن تتحول الميليشيات الإرهابية المرتبطة بها إلى أدوات ضغط تتجاوز مؤسسات الدولة وجيوشها وقرارها الوطني .
وهذا هو جوهر المشكلة .
ان القضية ليست في أن تكون لإيران مصالح إقليمية ، فهذا حق كل دولة .
المشكلة تبدأ عندما تتحول المصالح إلى مشروع وصاية ، وعندما يصبح دعم بعض القوى المحلية وسيلة لبناء نفوذ دائم ، وعندما تصبح الدول العربية ساحات مفتوحة أمام صراع لا تملك شعوبها وحدها قرار إشعاله أو إيقافه .
أثبتت التجربة أن ما يسمى “؟محور المقاومة ” لم يكن مجرد خطاب سياسي ، بل شبكة من القوى المسلحة والحلفاء الذين استخدمتهم طهران لتعزيز موقعها الإقليمي .
وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال الأكثر إزعاجًا لطهران : من أعطاكِ الحق في أن تكوني وصية علينا نحن أمة العرب ؟.
من قال إن فلسطين تحتاج إلى وصاية إيرانية ؟ ومن منح إيران تفويضًا لتحديد مستقبل لبنان ؟ ومن سمح لها بأن تجعل من العراق واليمن وسوريا ساحات متقدمة لمشروعها الإقليمي ؟. لا أحد.
فالعرب ليسوا بحاجة إلى وصي عليهم ، ولا إلى دولة أجنبية تتحدث باسمهم ، ولا إلى ميليشيات إرهابية عابرة للحدود تُقدَّم باعتبارها البديل عن الدولة .
وإذا كانت إيران تقول إنها تقف إلى جانب فلسطين ، فإن السؤال المشروع هو : ماذا قدمت لفلسطين ؟ و ماذا ساعدت اهالي غزة مقارنة بدول عربية ترى كالسعودية و الإمارات و الكويت و قطر الخ ..
و هل نصرة فلسطين تعني تحويل عواصم عربية إلى ساحات صراع ؟ وهل الدفاع عن القدس يبرر استهداف شعوب آمنة و تدمير مؤسسات دول عربية وإضعاف جيوشها وتهديد استقرارها و امنها ؟.
ان القضية الفلسطينية أكبر من أن تكون ورقة في يد أي نظام ، وأقدس من أن تتحول إلى أداة لتوسيع النفوذ .
والأخطر أن طهران لا تكتفي بالتدخل في ملفات الدول العربية ، بل تحاول فرض قواعد اشتباك جديدة على كل المنطقة ، خطوط حمراء ترسمها هي ، وساحات تختارها هي ، وأذرع عسكرية تتحرك حين تريد ، ورسائل تهديد تصل إلى الخصوم من أكثر من عاصمة عربية .
إنها استراتيجية الارهاب التي تمنح إيران قدرة على الضغط من خارج حدودها ، وتسمح لها بتوسيع مجال نفوذها دون أن تتحمل دائمًا الكلفة السياسية والعسكرية المباشرة لكل ما تفعله القوى المرتبطة بها.
لكن السؤال الحارق الذي يزداد إلحاحًا اليوم هو : إلى أين يمكن أن يقود هذا المشروع الإيراني ؟ .
إيران نفسها دولة أنهكتها العقوبات والصراعات والتوترات ، لكنها رغم ذلك تصر على لعب دور القوي الذي يريد إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق حساباته .
والمفارقة أن النظام الذي يواجه أزمات داخلية وضغوطًا اقتصادية وأمنية، يواصل البحث عن ساحات خارجية يوسع فيها نفوذه . انها مفارقة عجيبة .
وهنا لا يعود الأمر مجرد سياسة خارجية ، بل يصبح مشروعا استعماريا لإعادة توزيع القوة في المنطقة .
إيران تريد شرقا أوسط تتحرك فيه وحدها او عبر حلفائها وأذرعها ، بينما تتراجع الدولة الوطنية لمصلحة المليشيات و القوى المسلحة .
ايران تريد أن تكون عواصم عربية جزءًا من معادلة أمنها القومي و مجالها الحيوي ، وأن يصبح أمن المنطقة مرتبطا بحساباتها هي وحدها و مصالحها .
لكن المنطقة ليست ملكا لإيران.
لبنان للبنانيين، والعراق للعراقيين، واليمن لليمنيين، وسوريا للسوريين، وفلسطين للفلسطينيين، وكل شعب عربي هو سيد نفسه و صاحب الحق الأول والأخير في تقرير مستقبله واختيار قياداته وبناء دولته .
أما أن تتحول هذه الدول إلى أوراق ضغط و تفاوض ، وأن يصبح السلاح خارج الدولة عنوانًا للنفوذ ، وأن تُستخدم القضايا الكبرى لتبرير التدخلات الخارجية ، فذلك ليس نصرة للعرب ، بل مصادرة لإرادتهم .
لقد آن الأوان لطرح السؤال بصراحة : هل تريد إيران نصرة قضايا العرب، أم تريد امتلاك مفاتيحها؟.
فالفرق بين الأمرين شاسع.
ان العرب لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم.
ولا يحتاجون إلى وصاية إيرانية، ولا إلى وصاية من أي قوة إقليمية أخرى .
ما تحتاجه المنطقة هو دول قوية، وجيوش وطنية، وقرار سيادي، وعلاقات تقوم على المصالح والاحترام المتبادل، لا على الميليشيات والتهديد وتصدير الأزمات.
ومن يريد أن يكون شريكا في المنطقة، فليحترم دولها .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *