الانتخابات الفلسطينية … هل يستعيد الفلسطينيون قرارهم ؟ .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست الانتخابات الفلسطينية المرتقبة مجرد موعد انتخابي طال انتظاره ، ولا مجرد استحقاق ديمقراطي تأخر لسنوات ، بل قد تكون لحظة سياسية مفصلية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ، واستعادة شيء من الشرعية التي أنهكها الانقسام ، وأضعف مؤسساتها، ووزّع السلطة بين الجغرافيا والفصائل ومراكز النفوذ .
فالفلسطينيون لم يعيشوا طوال السنوات الماضية أزمة انتخابات فقط ، وإنما أزمة تمثيل وشرعية وقرار .
ومنذ أن تحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، أصبح السؤال أكبر من هوية الفائز في أي انتخابات : من يملك القرار الفلسطيني ؟ ، ومن يتحدث باسم الفلسطينيين ؟ ومن يملك القدرة على تحويل إرادة الشعب إلى مؤسسات ودولة ؟ .
وتكتسب الانتخابات التشريعية المعلنة في 28 نوفمبر 2026 أهمية خاصة ، باعتبارها أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ نحو عشرين عاما ، فيما أُعلن عن انتخابات رئاسية في 2027 من دون تحديد موعد نهائي لها حتى الآن .
وقد أعلنت حماس استعدادها للمشاركة ، في وقت تتشكل فيه تحالفات وقوائم انتخابية جديدة ، بما يعكس حجم التحولات التي يشهدها المشهد الفلسطيني .
لكن السؤال الحقيقي لا يبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع ، وإنما يبدأ في اليوم التالي لإعلان النتائج .
هل يقبل الجميع بنتائج الصندوق ؟ .
وهل تصبح الانتخابات وسيلة لإعادة بناء المؤسسات ، أم مجرد محطة جديدة لإعادة إنتاج الانقسام ؟.
إن مشاركة حماس ، أو أي فصيل فلسطيني آخر ، في العملية الانتخابية تعني أن المجال السياسي يمكن أن يتسع أمام مختلف القوى والتيارات .
لكن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد السماح للجميع بالمشاركة ، بل تحتاج أيضا إلى قواعد مشتركة تحكم الجميع بعد ظهور النتائج .
فالدولة لا يمكن أن تقوم على تعدد السلطات ، ولا يمكن أن يكون لها أكثر من قرار سيادي ، أو أكثر من منظومة قانونية ، أو أكثر من مركز يحتكر القوة والسلاح .
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية في المستقبل الفلسطيني : الوحدة الوطنية لا تعني اقتسام السلطة بين الفصائل ، وإنما تعني الاتفاق على سلطة وطنية واحدة، ومؤسسات واحدة ، وقانون واحد، وقرار سياسي وأمني واحد .
فالانتخابات التي لا تُنتج مؤسسات موحدة قد تغير الوجوه ، لكنها لن تغير جوهر الأزمة .
والشرعية التي يمنحها صندوق الاقتراع لا تكتمل إلا باحترامها .
الديمقراطية ليست فقط حق الفائز في الوصول إلى السلطة ، وإنما أيضاً حق الشعب في محاسبته ، وحق المعارضة في العمل ، وحق الجميع في انتظار دورة انتخابية أخرى لتغيير من يحكم .
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي انتخابات فلسطينية لن يكون في نسبة المشاركة ولا في أسماء الفائزين فقط ، وإنما في قدرة النظام السياسي على تحويل نتائج الصندوق إلى عقد وطني جديد .
ذلك أن استمرار الفراغ السياسي أو ضعف الشرعية يترك مساحة أكبر للتدخلات الخارجية ، ويجعل مستقبل القضية الفلسطينية عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية .
وكلما تراجعت وحدة القرار الفلسطيني ، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في هذا القرار .
ولذلك فإن الانتخابات ليست غاية في ذاتها .
إنها فرصة ، إذا جرت ، لفتح صفحة جديدة ، فرصة لكي ينتقل الفلسطينيون من إدارة الانقسام إلى بناء المؤسسات ، ومن منطق الفصائل إلى منطق الدولة، ومن شرعية الأمر الواقع إلى شرعية تستمد قوتها من الشعب .
المعركة الحقيقية ، في النهاية ، ليست بين فتح وحماس ، ولا حول اسم الرئيس القادم ، ولا حول عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الفصيل أو ذاك .
المعركة الأعمق هي على استعادة القرار الوطني الفلسطيني .
فهل يستطيع الفلسطينيون أن يجعلوا من صندوق الاقتراع بداية لاستعادة وحدتهم السياسية ، وبناء مؤسساتهم، وتوحيد قرارهم؟.
ذلك هو السؤال الذي سيحدد معنى الانتخابات الفلسطينية ، لا نتائجها فقط .
