38°C تونس
05/10/2026
6 أكتوبر … يوم عبرت مصر من الهزيمة إلى استعادة الذات .
أراء وأفكار

6 أكتوبر … يوم عبرت مصر من الهزيمة إلى استعادة الذات .

أكتوبر 5, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

هناك تواريخ تمرّ في حياة الأمم ، وتواريخ تصنع حياة الأمم من جديد .
والسادس من أكتوبر 1973 واحد من تلك التواريخ التي لا تُقرأ في التقويم ، بل تُقرأ في وجدان شعب كامل .
فهو ليس مجرد ذكرى لحرب خاضها الجيش المصري ، ولا مناسبة عسكرية تستعاد تفاصيلها كل عام ، وإنما لحظة فارقة استعادت فيها مصر شيئًا بدا ، بعد هزيمة 1967 ، وكأنه فقد إلى الأبد: الثقة بالنفس .
في ذلك اليوم ، عبر الجنود المصريون قناة السويس ، واقتحموا خط بارليف ، وفتحوا في جدار الهزيمة ثغرة لم تكن في الرمال وحدها، بل في الوعي أيضا .
فبعد ست سنوات من صدمة 1967 ، لم تكن مصر تواجه معركة عسكرية فقط .
كانت تواجه سؤالا أكثر قسوة : هل تستطيع أمة أن تنهض بعد أن اهتزت صورتها عن نفسها ؟ .
وجاء أكتوبر بالإجابة .
كانت المعركة من أجل الأرض ، نعم ، لكنها كانت أيضًا معركة من أجل الإرادة .
فالهزيمة العسكرية يمكن أن تُراجع خططها وأسبابها ، ويمكن إعادة بناء الجيش بعدها ، لكن الأخطر هو أن تتحول الهزيمة إلى شعور بالعجز، وأن يستقر في وعي الشعوب أن ما حدث قدر لا يمكن تغييره .
وهذا تحديدا ما كسره أكتوبر .
لقد أثبت أن التفوق العسكري لا يعني امتلاك التاريخ ، وأن الجدران مهما ارتفعت يمكن أن تُفتح فيها ثغرة بالإرادة والتخطيط والصبر والاستعداد .
وأثبت كذلك أن الأمم لا تستعيد قوتها بالشعارات، وإنما حين تحوّل الألم إلى عمل ، والصدمة إلى تخطيط ، والانتظار إلى استعداد .
ولهذا لم يبق السادس من أكتوبر ذكرى عسكرية مصرية .
لقد أصبح جزءا من الوجدان الوطني ، وذاكرة تتناقلها الأجيال باعتبارها لحظة قالت فيها مصر لنفسها ، وللتاريخ من حولها : إن الهزيمة ليست نهاية الطريق .
وفي الوعي العربي أيضا ، كان لأكتوبر معنى يتجاوز الجغرافيا المصرية .
فقد جاء بعد سنوات قليلة من صدمة 1967، وفي زمن بدا فيه ميزان القوة مختلا بصورة عميقة ، فجاء العبور ليعيد إلى الوجدان العربي شيئا من الثقة ، وليقول إن موازين القوة ليست دائمًا قدرا أبديا ، وإن ما يبدو مستحيلا اليوم قد يصبح ممكنا غدا حين تتوافر الإرادة والإعداد والقدرة على الصبر .
لكن قيمة أكتوبر الحقيقية لا تكمن فقط في لحظة العبور .
فالانتصارات الكبرى لا تُقاس باللحظة التي يتحقق فيها النصر وحدها ، وإنما بما تتركه تلك اللحظة في مستقبل الأمم .
ماذا تفعل الدولة بعد أن تنتصر ؟ كيف تحوّل القوة العسكرية إلى قوة بناء ؟ وكيف تجعل من الذاكرة الوطنية وعيا، ومن الاعتزاز بالماضي طاقة للمستقبل ؟ .
ذلك هو السؤال الذي يظل أكتوبر يطرحه على مصر ، وعلى العرب جميعا .
فالأوطان لا تعيش على أمجادها ، لكنها تحتاج إلى أمجادها كي تتذكر أنها قادرة على صناعة أمجاد جديدة .
ومن هنا ، يبقى السادس من أكتوبر حيا بعد أكثر من نصف قرن ، لا لأن المصريين يتذكرون معركة انتصروا فيها فحسب ، وإنما لأنهم يتذكرون لحظة استعادت فيها مصر ثقتها بقدرتها على النهوض .
وهنا تكمن حكمة أكتوبر الأعمق :
لم يكن أعظم ما حدث أن الجنود عبروا قناة السويس ، وإنما أنهم عبروا معها حاجزًا نفسيًا هائلًا صنعته الهزيمة .
فقد عبرت مصر الماء، نعم …
لكنها في الحقيقة كانت تعبر من زمن الانكسار إلى زمن استعادة الإرادة .
ولهذا ، فإن أكتوبر ليس مجرد يوم في التاريخ المصري ، بل رسالة إلى كل أمة تتعثر : قد تخسر معركة ، وقد تنكسر لحظة ، وقد تتراجع أمام خصم أقوى … لكن الهزيمة لا تصبح قدرا إلا عندما تستسلم لها الروح .
أما حين تستعيد الأمة إيمانها بنفسها، فإنها تستطيع أن تبدأ العبور من جديد .
وهذا هو أكتوبر …
يوم لم تكسر فيه مصر خطا دفاعيا فحسب ، بل كسرت الحاجز الذي أقامته الهزيمة داخل الإنسان .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *