ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن الاتفاق الإطاري الذي وقعته إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في واشنطن مجرد تفاهم أمني لوقف جولة جديدة من القتال ، بل يبدو أقرب إلى وثيقة تأسيس لشرق أوسط جديد ، عنوانه إعادة بناء الدولة الوطنية ، وإعادة صياغة موازين القوة في المنطقة، والانتقال التدريجي من منطق الحروب المفتوحة إلى منطق التسويات السياسية الكبرى .
فاللغة التي صيغ بها الاتفاق تتجاوز مفردات الهدنة ووقف إطلاق النار المؤقت، لتتحدث صراحة عن إنهاء ” الصراع ” نفسه .
وهي صياغة ذات أبعاد سياسية وقانونية عميقة، إذ يعلن الطرفان للمرة الأولى عزمهما إنهاء حالة الحرب بصورة رسمية ، ومعالجة أسبابها الجذرية ، والانتقال إلى مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية تمهيداً لاتفاق سلام شامل .
وهنا تحديدا تكمن أهمية هذه الوثيقة التاريخية .
فهي لا تتناول الجنوب اللبناني وحده، ولا تقتصر على ترتيبات أمنية أو حدودية، بل تضع أسساً جديدة لإعادة بناء الدولة اللبنانية ذاتها .
وأكثر بنود الاتفاق إثارة للانتباه هو النص الذي يمنح الجيش اللبناني وحده المسؤولية الأمنية والعسكرية على كامل الأراضي اللبنانية ، ويشترط نزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية ، وتفكيك بنيتها العسكرية ، ومنعها مستقبلا من ممارسة أي دور أمني أو عسكري .
إنه تحول جذري في العقيدة السياسية التي حكمت لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية ، حيث عاش البلد لعقود تحت وطأة ازدواجية السلطة بين الدولة والسلاح ، وبين الشرعية الدستورية والشرعية المفروضة بقوة الأمر الواقع .
فالوثيقة تؤكد بوضوح أن الحكومة اللبنانية وحدها تمتلك حق إعلان الحرب والسلام ، وأن أي جهة أو تنظيم أو دولة تمارس القوة العسكرية خارج إطار مؤسسات الدولة تُعدّ فاقدة للشرعية القانونية والوطنية .
وهي صياغة تشكل عمليا إعلانا بانتهاء شرعية مفهوم ” المقاومة المسلحة المستقلة ” داخل الدولة اللبنانية .
ولا يخفى أن المقصود الأول بهذه البنود هو حزب الله ، الذي مثل طوال عقود القوة العسكرية الأكثر نفوذاً في لبنان ، وأحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة . ولذلك لم يكن مستغربا أن يرفض الحزب الاتفاق ، وأن يعلن النائب حسن فضل الله رفض أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ، معتبراً أن السلطة اللبنانية قدمت ” هدية للعدو ” ، ومؤكدا التمسك بالسلاح والتصدي لأي إجراءات حكومية تستهدفه .
غير أن المتغير الأبرز يتمثل في أن الاتفاق لم يعد يتعامل مع هذه المسألة باعتبارها خلافا لبنانيا داخليا ، بل باعتبارها شرطا دوليا لإعادة بناء الدولة اللبنانية .
فالمساعدات الأمريكية والدولية باتت مرتبطة بتحقيق مراحل قابلة للتحقق في عملية نزع السلاح ، كما أن إعادة الإعمار لن تبدأ قبل نجاح الجيش اللبناني في فرض سيطرته الأمنية الكاملة على الأراضي المعنية .
وبهذا المعنى ، يتحول السلاح من ورقة قوة سياسية إلى عبء استراتيجي يمنع إعادة بناء الدولة ويؤخر تعافيها الاقتصادي والسيادي .
في المقابل ، تقدم إسرائيل التزاما سياسيا لا يقل أهمية ، إذ تعلن عدم امتلاكها أي مطامع إقليمية في لبنان ، وتتعهد بإنهاء وجودها العسكري تدريجيا فور استكمال الترتيبات الأمنية ونزع سلاح الجماعات المسلحة ، والانسحاب وفق مراحل متزامنة مع انتشار الجيش اللبناني .
ومن الناحية العملية ، يؤسس الاتفاق للمرة الأولى لآليات تنسيق ومراقبة مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية ، وهو أمر كان يُعد حتى سنوات قليلة مضت خارج حدود الممكن في الحسابات السياسية اللبنانية .
لكن البعد الأكثر عمقا في الاتفاق لا يتعلق بلبنان وإسرائيل وحدهما ، بل بالدور الأمريكي نفسه .
فالولايات المتحدة لم تعد وسيطا بين طرفين متنازعين ، بل أصبحت الضامن الأمني والسياسي والاقتصادي للعملية برمتها .
فهي التي تشرف على آليات التحقق ، وتقود جهود إعادة الإعمار ، وتحشد الشركاء الدوليين ، وتراقب التمويل ، وتمنع وصول الموارد إلى الجماعات المسلحة ، وتربط الإفراج عن المساعدات بتحقيق نتائج ملموسة على الأرض .
وبذلك يتحول لبنان إلى نموذج جديد لإعادة بناء الدولة تحت إشراف دولي مباشر، قوامه مبدأ أساسي : لا سيادة حقيقية من دون احتكار الدولة للقوة والسلاح .
أما إيران، فهي الخاسر الأكبر إذا كُتب لهذا الاتفاق أن يرى النور كاملاً. فمنذ عقود ، شكل حزب الله الركيزة الأهم للنفوذ الإيراني في شرق المتوسط ، ورأس الحربة في ما عُرف بمحور المقاومة .
أما اليوم، فإن الوثيقة تنص عمليا على إنهاء أي دور عسكري أو أمني للجماعات المسلحة غير الحكومية داخل لبنان ، بما يعني تفكيك البنية التي استند إليها هذا النفوذ طوال سنوات .
كما يحمل الاتفاق رسالة تتجاوز الحدود اللبنانية ، إذ يعكس تحولا في الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط ، من إدارة الصراعات المزمنة إلى إعادة هندسة الإقليم عبر تسويات سياسية وأمنية متدرجة ، يكون فيها السلام مشروطا بقيام دولة قوية تحتكر القوة والسلاح ، لا بمجرد توقيع اتفاقيات دبلوماسية .
وفي هذا السياق، تبدو الإشادة الصريحة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ختام الوثيقة ذات دلالة سياسية واضحة ، إذ تنسب إليه رؤية تقوم على إنهاء عقود من الصراع وإرساء سلام دائم ، في انسجام مع توجه إدارته نحو توسيع مسار التسويات الإقليمية .
ومع ذلك ، فإن الطريق نحو هذا الهدف لن يكون سهلا . فتنفيذ الاتفاق سيصطدم بتعقيدات الداخل اللبناني ، وبمواقف القوى الرافضة للتخلي عن السلاح ، وبحسابات إيران الإقليمية ، فضلا عن التحديات الأمنية التي قد تعرقل الانتقال من النصوص إلى الواقع .
لكن ، وبرغم كل هذه العقبات ، فإن مجرد توقيع هذه الوثيقة يمثل نقطة تحول تاريخية . فهي المرة الأولى التي يُطرح فيها بصورة رسمية ومعلنة مشروع يربط بين إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، واستعادة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة ، وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية ، وإطلاق مفاوضات مباشرة نحو سلام شامل .
إنه اتفاق لا يغيّر فقط مستقبل الحدود الجنوبية للبنان ، بل يعيد تعريف مفهوم الدولة اللبنانية نفسها ، ويؤسس لمرحلة قد يكون عنوانها نهاية منطق ” الدولة داخل الدولة ” وعودة السلطة الشرعية إلى احتكار القوة والقرار السيادي .
ومن هنا يبرز السؤال الاهم و الكبير : هل نشهد بالفعل بداية أفول عصر حزب الله ، أم أن لبنان مقبل على واحدة من أعقد معاركه السياسية في كل تاريخه الحديث .

