تونس 27°C

7 ماي 2026

تونس 38°C

7 ماي 2026

نرجس محمدي : حين يصبح السجن وجها آخر للموت البطيء .

تونس – عرب 21 – أ – حذامي محجوب .

في إيران، لا يحتاج النظام دائما إلى حبل مشنقة كي يقتل معارضيه .
أحيانا تكفي زنزانة ضيقة، وجسد منهك ، وعلاج يُؤجل عمداً حتى يتحول الزمن نفسه إلى أداة تعذيب.
هكذا تبدو اليوم مأساة الناشطة الإيرانية نرجس محمدي ، الحائزة على جائزة نوبل للسلام ، والتي لم تعد قصتها مجرد قضية سجينة رأي تواجه سلطة قمعية، بل معركة حقيقية بين الحياة والموت.
إيران التي اعتادت مواجهة معارضيها بالسجون والمحاكمات والتهم الجاهزة ، تجد نفسها اليوم أمام صورة يصعب تبريرها حتى أمام أكثر المدافعين عنها : امرأة استنزفها الاعتقال ، أنهك المرض جسدها ، وتتعالى التحذيرات من أن استمرار حرمانها من رعاية طبية مستقلة قد يدفعها نحو النهاية . هنا لا يعود الأمر خلافا سياسيا أو مواجهة أيديولوجية ، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وإنساني عار : كيف يمكن لدولة أن تستخدم المرض كسلاح ، والعلاج كوسيلة عقاب؟ .
منذ سنوات ، اختارت نرجس محمدي أن تواجه النظام الإيراني بالكلمة والموقف . دافعت عن النساء ، عارضت عقوبة الإعدام ، وانتقدت القيود التي تُفرض باسم الدين والسياسة .
دفعت ثمن ذلك اعتقالات متكررة وأحكاما قاسية ، لكن السلطة لم تكتف بسلبها حريتها ، بل بدت وكأنها تسعى إلى إنهاكها جسديا ونفسيا حتى آخر رمق .
فالسجن في إيران لا يُستخدم فقط لعزل المعارضين ، بل لتحويلهم إلى رسائل ترهيب موجهة لكل من يفكر في رفع صوته .
المفارقة المؤلمة أن امرأة كرّمها العالم بجائزة نوبل للسلام ، تجد نفسها عاجزة حتى عن الوصول إلى حق أساسي : العلاج .
الجائزة التي كان يُفترض أن تمنحها حماية معنوية ودولية ، لم توقف آلة القمع ، بل ربما زادت من إصرار السلطة على كسر رمزيتها . فبعض الأنظمة لا تخشى المعارضة التقليدية بقدر ما تخشى الرموز التي تتحول إلى ضمير عالمي حيّ .
غير أن الجانب الأكثر قسوة في هذه الحكاية لا يتعلق فقط بالسجن أو المرض ، بل بذلك الألم الإنساني الصامت : أم حُرمت من رؤية أبنائها لأكثر من عشر سنوات ، وطفلان يراقبان من المنفى كيف يتحول جسد والدتهما تدريجيا إلى ضحية خلف القضبان .
عند تلك اللحظة ، تسقط كل الشعارات السياسية ، ويبقى السؤال الأكثر وجعا : إلى أي مدى يمكن أن تذهب سلطة تخاف من صوت امرأة ؟.
قضية نرجس محمدي لم تعد تخص إيران وحدها ، بل أصبحت اختبارا أخلاقيا أمام العالم بأسره .
فعندما يتحول العلاج إلى امتياز سياسي ، والرعاية الصحية إلى أداة ضغط ، يصبح السجن شكلاً آخر من أشكال الإعدام البطيء . والتاريخ مليء بمعارضين لم يغادروا الزنازين أحياء ، لأن العالم اكتفى بالتنديد بعد أن أصبح الأوان متأخرا .
لهذا تبدو التحذيرات الحالية أكثر خطورة من أي وقت مضى .
فكل يوم يمر قد يقرب هذه الناشطة من مصير مأساوي جديد يضاف إلى سجل طويل من القمع السياسي .
وإذا كانت الأنظمة تستطيع إسكات الأصوات لبعض الوقت، فإنها لا تستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد : الخوف من امرأة مريضة خلف القضبان لا يكشف قوة السلطة ، بل يكشف هشاشتها العميقة.
نرجس محمدي لا تطلب امتيازا سياسيا ، ولا تبحث عن بطولة جديدة .
كل ما تطلبه اليوم حق بسيط يفترض أن يكون مضموناً لكل إنسان: أن تُعالج … وأن تبقى على قيد الحياة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية