تونس 27°C

7 ماي 2026

تونس 38°C

7 ماي 2026

الإمارات في مرمى النار … لأنّها نموذج لا يُحتمل .

بقلم – ابوبكر الصغير .

في خضمّ التصعيد المتسارع في منطقة الخليج ، لم يكن الحدث العسكري الأخير مجرّد تطوّر ميداني عابر ، بل كان كاشفًا لطبيعة صراع أعمق بكثير من مجرد مواجهة تقليدية . فحين رافقت البحرية الأمريكية سفينتين تجاريتين في مضيق هرمز ضمن عملية “ مشروع الحرية ”، بدا وكأنّ توازنا هشًّا يُعاد ترميمه في واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي .
لكن الردّ الإيراني ، الذي جاء عبر قصف الإمارات بأربع موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة ، نقل المشهد إلى مستوى آخر : مستوى استهداف النموذج .
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : لماذا الإمارات تحديدًا ؟ ولماذا تتحمّل القسط الأكبر من هذا التصعيد ، رغم ما تمثّله من تجربة إنمائية رائدة و فضاء اقتصادي مفتوح يحتضن مئات الآلاف من الإيرانيين، ويشكّل منفذًا حيويًا لتخفيف وطأة العقوبات عن طهران نفسها؟ .
الجواب لا يمكن أن يكون بسيطًا ، لأنّه يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى أبعاد استراتيجية ورمزية عميقة .
من الناحية الاستراتيجية ، تمثّل الإمارات قلبًا نابضًا للاقتصاد العالمي ، ومركزًا ماليًا ولوجستيًا لا غنى عنه في حركة التجارة الدولية. أي تهديد لمنشآتها الحيوية لا ينعكس عليها وحدها ، بل يمتدّ أثره فورًا إلى الأسواق العالمية ، ويضع القوى الكبرى ، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أمام ضغط مباشر. هذه هي العقيدة التي لطالما تبنّاها الحرس الثوري الإيراني : نقل المعركة إلى نقاط التأثير القصوى ، حيث تكون الكلفة أعلى ، والرسالة أكثر إيلامًا .
لكن ما هو أعمق من ذلك هو البعد الرمزي .
الإمارات ليست مجرد دولة في معادلة جيو – سياسية، بل هي تجربة. تجربة عربية استثنائية في زمن كثرت فيه الإخفاقات .
استطاعت، في فترة زمنية وجيزة، أن تتحوّل إلى واحدة من أنجح نماذج النهضة في العالم العربي ، بل في العالم بأسره.
راهنت على الإنسان، على التعليم، على الانفتاح، وعلى الاقتصاد المتنوّع، فحصدت نتائج غير مسبوقة في مؤشرات التنمية والرفاه والسعادة.
هي دولة لم تكتفِ باستثمار ثروتها النفطية، بل أحسنت توظيفها لبناء اقتصاد مستدام ، مندمج في العولمة ، وقادر على التكيّف مع التحوّلات الكبرى .
لذلك تتصدّر باستمرار مؤشرات جودة الحياة، وتُسجّل أرقامًا قياسية في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ، في وقت تعاني فيه دول كثيرة من أزمات مزمنة .
وفوق ذلك، تمثّل الإمارات واحدة من أعظم التجارب الوحدوية في العصر الحديث . اتحادٌ لم يكن شكليًا ، بل مشروعًا حقيقيًا نجح في خلق دولة قوية ، متماسكة ، قادرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، لا عامل ضعف .
هذا النجاح الوحدوي، في حدّ ذاته، يحمل رسالة عميقة في منطقة أنهكتها الانقسامات.
في المقابل، يقف النموذج الإيراني على الضفة الأخرى : اقتصاد مثقل بالعقوبات، موارد تُستنزف في سباقات التسلّح، وانخراط مستمر في صراعات إقليمية، على حساب الداخل ورفاه المواطن. الفارق بين النموذجين لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا ملموسًا تُترجمه الأرقام، ويعيشه الناس يوميًا.
من هنا ، يصبح استهداف الإمارات أكثر من مجرد عمل عسكري ، إنّه محاولة لضرب فكرة . فكرة أن النجاح ممكن في هذه المنطقة، وأن التنمية ليست حلمًا مستحيلًا، وأن الدولة العربية قادرة على أن تكون فاعلًا عالميًا مؤثرًا.
إنّها رسالة تقول : هذا النموذج مزعج … لأنه ناجح.
لكن التاريخ يثبت أن النماذج الناجحة لا تُقصف لتختفي ، بل تُستهدف لأنها تُلهم . والإمارات، بما حققته من إنجازات ، لم تعد مجرد دولة، بل أصبحت رمزًا لإمكانية النهوض العربي حين تتوفّر الإرادة والرؤية .
وفي لحظة تتكثّف فيها التحديات ، يبرز هذا المعنى بوضوح أكبر : قد تُستهدف الإمارات بالصواريخ … لكن ما تمثّله من تجربة، لا يمكن استهدافه إلا بمزيد من النجاح .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية