تونس 29°C

6 ماي 2026

تونس 38°C

6 ماي 2026

حين يهرب النظام إلى الخارج … لأن الداخل يضيق به !.

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لا يمكن فهم تصلّب مواقف طهران في خضم المواجهة الراهنة بمعزل عن واقعها الداخلي المتأزم .
فإيران لم تغادر يوماً دائرة الاحتجاجات ، غير أنّ الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في حدّتها ، بالتوازي مع اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع ، إلى درجة تشير معها تقديرات عديدة إلى أنّ شريحة واسعة من الإيرانيين ، قد تتجاوز 80 في المائة ، لم تعد ترى نفسها في خيارات النظام ولا في مساراته .
هذا الواقع الداخلي ليس تفصيلاً ثانويا ، بل مفتاحا أساسيا لفهم السلوك الخارجي . فحين تواجه السلطة مجتمعا مثقلا بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية ، ومشحونا بتطلعات التغيير ، تصبح معادلة البقاء أكثر تعقيدا من مجرد إدارة صراع مع خصوم خارجيين .
في هذا السياق ، لا يبدو التشدد في الخطاب الإيراني ، ولا الإصرار على رفع سقف المواجهة ، مجرد تموضع استراتيجي في وجه الضغوط الدولية ، بل يعكس أيضا وعيا حادا بطبيعة التحدي الداخلي .
فالأنظمة التي تهتزّ من الداخل ، غالبا ما تلجأ إلى الخارج لإعادة ترتيب أوراقها ، وتغذية خطاب الالتفاف الوطني ، حتى وإن كان ذلك بشكل مؤقت وهش .
لقد أظهرت تجارب سياسية عديدة أنّ الانفتاح أو تقديم التنازلات في لحظات الضعف الداخلي قد يُقرأ كإقرار بالعجز ، ويفتح الباب أمام مزيد من الاعتراض والتشكيك .
لذلك، يتحول التصعيد إلى خيار “ وظيفي ” بقدر ما هو سياسي ، أداة لإعادة إنتاج سردية الصمود ، وتأجيل استحقاقات داخلية قد تكون أكثر كلفة وخطورة .
من هنا تتضح المفارقة الإيرانية : نظام يرزح تحت ضغوط خارجية غير مسبوقة ، لكنه يفضّل التشدد على المرونة، لا دفاعا عن موقعه الإقليمي فحسب ، بل خشية أن يتحول أي تراجع إلى شرارة لانفلات داخلي يصعب احتواؤه .
إنها معادلة دقيقة ، حيث يبدو الخارج ساحة قابلة للضبط والتحكم ، فيما يظل الداخل فضاء مفتوحا على احتمالات الانفجار .
لذلك ، قد لا تكون المواجهة مع الخصوم هي التحدي الأكبر للنظام ، بل مواجهة مجتمع يتغيّر ، ويعيد طرح أسئلة الشرعية والتمثيل بإلحاح متزايد .
في المحصلة ، تكشف الحالة الإيرانية عن حقيقة أعمق في علم السياسة : حين تخشى الأنظمة شعوبها ، تميل إلى تصدير أزماتها إلى الخارج ، لأن الداخل ، في تلك اللحظة ، يصبح التهديد الأشد والأكثر إلحاحا .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية