38°C تونس
09/08/2026
ميادة الحناوي في قرطاج…حين يصطدم المجد بمرآة المسرح..
ثقافة وفنون

ميادة الحناوي في قرطاج…حين يصطدم المجد بمرآة المسرح..

أغسطس 9, 2026

بقلم أ.حذامي محجوب

أثار ظهور ميادة الحناوي على مسرح قرطاج جدلًا واسعا، بين من تعامل مع حضورها وكأنه عودة لأسطورة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، ومن خرج من الحفل بخيبة أمل كبيرة أمام أداء لم يكن، في رأيه، بمستوى الاسم والتاريخ.
وفي تقديري، فإن اختزال ما حدث في مسألة العمر كما ذهب إلى ذلك البعض ظلم لميادة وللفن معًا. فليس العمر هو المشكلة في الغناء، وإلا لكان كثير من كبار الفنانين قد اعتزلوا بمجرد بلوغهم سنًا معينة. هناك أصوات ظلت قادرة على العطاء حتى آخر العمر، بل إن الصوت، يمكن أن يزداد خبرة ونضجا إذا صاحبه التدريب والممارسة والانضباط.

المشكلة الحقيقية في الفن هي المثابرة والانضباط والاستمرارية. الفنان المحترف لا يستطيع أن يعيش طويلا على أمجاد الماضي. عليه أن يظل يغني، ويتدرب، ويجري البروفات، ويختبر صوته، ويحافظ على لياقته الفنية. فالموهبة قد تفتح الباب، والتاريخ قد يمنح الفنان فرص و مكانة، لكن الاستمرارية وحدها تستطيع أن تحافظ على هذه المكانة.
ومن هنا يمكن فهم ما حدث في قرطاج. فبكل احترام لتاريخ ميادة الحناوي، كان من الصعب على الجمهور أن يجد في تلك الليلة الصوت نفسه، أو الحضور نفسه، أو ذلك الإحساس الطربي الذي جعلها واحدة من أهم الأصوات النسائية في العالم العربي. لم تكن المشكلة في أن ميادة تقدمت في العمر، وإنما ربما في السنوات الطويلة التي ابتعدت فيها عن الغناء والحضور على المسارح ، وفي غياب ذلك التمرين المستمر الذي يحتاج إليه أي صوت مهما كان عظيما.

لقد مرّت حياة ميادة الحناوي الشخصية والفنية بمحطات كثيرة، وانقطعت في مراحل مختلفة عن المشهد الغنائي، وهو ما انعكس بالضرورة على حضورها واستمراريتها. كما أن مسيرتها عرفت ظروفًا صعبة، من بينها منعها من دخول مصر في مرحلة من مراحل حياتها، رغم أن كبار الملحنين تعاملوا معها وقدموا لها ألحانا صنعت جزءًا من مجدها.
لكن كل ذلك يبقى تفسيرًا ولا ينبغي أن يتحول إلى إدانة. الفنان في النهاية مسؤول أمام الجمهور عن اللحظة التي يقف فيها على المسرح، والجمهور بدوره من حقه أن يقول: أحببنا ميادة القديمة، لكننا لم نجدها كاملة في قرطاج.
حتى إطلالتها لم تكن، في رأيي، موفقة. الفستان الذي ارتدته كان موشحا أكثر مما ينبغي، وفيه شيء من فساتين الدمى، بينما كانت المناسبة تحتاج إلى إطلالة تليق بتاريخ فنانة بحجم ميادة الحناوي: فستان فخم في بساطته، أنيق في خطوطه، هادئ في تفاصيله، يمنحها هيبة النجمة .

ولعل أكثر ما يجعل الحديث عن حفل قرطاج حساسًا هو أن ميادة ليست فنانة عادية. نحن لا نتحدث عن صوت جديد أخفق في ليلة من لياليه، وإنما عن اسم ارتبط في ذاكرة العرب بأغانٍ وألحان وبمرحلة كاملة من تاريخ الموسيقى العربية. ولهذا كانت المقارنة قاسية: الجمهور لم يكن يقارنها بفنانة أخرى، بل كان يقارن ميادة اليوم بميادة التي ما زالت تعيش في ذاكرته.

ومع ذلك، فإن القول إن حفل قرطاج كان مخيبًا لا يعني شتم ميادة الحناوي ولا إنكار تاريخها. النقد الفني ليس إهانة، والاختلاف مع أداء فنان لا يعني إسقاط قيمته أو محو تاريخه.

على العكس، ربما يكون احترام الفنان الحقيقي هو أن نتعامل معه بصدق، لا أن نضعه فوق النقد لمجرد أنه صنع مجدًا في الماضي. فميادة الحناوي ستظل صاحبة صوت كبير وتاريخ لا يمكن محوه، لكن التاريخ لا يصعد إلى المسرح بدل الفنان، والأغاني القديمة لا تستطيع وحدها أن تصنع ليلة ناجحة.

قرطاج، في النهاية، لا يرحم أحدًا. إنه المسرح الذي يضع الفنان أمام الجمهور عاريًا من كل شيء إلا صوته وحضوره. وهناك، لا تكفي الأسطورة وحدها.

ميادة الحناوي لم تخسر تاريخها في قرطاج، لكنها لم تستطع في تلك الليلة أن تستعيده كاملًا على المسرح. وربما لم تكن المشكلة في العمر، بقدر ما كانت في الغياب الطويل عن الفن، وفي أن الصوت، مهما كان عظيمًا، يحتاج دائمًا إلى أن يُصان ويُدرّب ويُحَبّ بالعمل قبل أن يطلب من الجمهور أن يحبه بالذاكرة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *