” اتفاق مكة ” .. عندما تصنع السعودية وتركيا وباكستان معادلة أمن جديدة .
ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
في لحظات التحول الكبرى ، لا تكون أهمية الاتفاقيات في الكلمات التي تُكتب على ورق ، وإنما في التحولات التي تستطيع أن تصنعها على أرض الواقع .
بعض الاتفاقيات لا تأتي لتسجل واقعا قائما ، بل لتفتح الباب أمام واقع جديد .
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة ” اتفاقية مكة للدفاع المشترك ” بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ، باعتبارها تطورا بالغ الأهمية في بنية الأمن الإقليمي ، يتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي ، ويفتح الباب أمام معادلة استراتيجية جديدة تتقاطع فيها القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والجغرافية .
فالرياض وأنقرة وإسلام آباد ليست مجرد ثلاث عواصم تمتلك جيوشا قوية وقدرات دفاعية معتبرة ، وإنما هي ثلاثة مراكز ثقل في العالم الإسلامي ، لكل منها موقع استراتيجي بالغ الحساسية ، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية ، ونفوذ سياسي واقتصادي وعسكري يمتد إلى دوائر إقليمية ودولية متعددة .
السعودية تمثل ثقلا عربيا وإسلاميا وخليجيا لا يمكن تجاوزه ، و تركيا تمتلك موقعا جغرافيا فريدا يصل آسيا بأوروبا ويطل على شرق المتوسط والبحر الأسود ، بينما تمتلك باكستان موقعا محوريا في جنوب آسيا ، وقدرات عسكرية وعمقا جغرافيا يجعلها لاعبا أساسيا في المعادلات الأمنية الآسيوية .
وعندما تجتمع هذه الأوزان الثلاثة ، فإن المسألة لا تعود مجرد تعاون بين ثلاث دول ، وإنما تصبح أمام احتمال نشوء كتلة استراتيجية قادرة على التأثير في عدد كبير من الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تمس العالم الإسلامي بأسره .
الأهم من ذلك أن اتفاق مكة ، وفق ما أعلن بشأنه ، لم يولد في لحظة انفعال أو كرد فعل سريع على التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة .
فالمباحثات حوله استمرت قرابة عام ، وسبقته نقاشات حول طبيعة الالتزامات الدفاعية ومصادر التهديد ومجالات التعاون والتكامل .
وهذه نقطة شديدة الأهمية .
فالاتفاقيات التي تولد تحت ضغط الأزمة قد تنتهي بانتهاء الأزمة ، أما الاتفاقيات التي تُبنى على حسابات استراتيجية طويلة المدى ، فإنها تكون أكثر قدرة على الصمود أمام تغير الظروف .
ولهذا فإن أهمية اتفاق مكة لا تكمن فقط في توقيت الإعلان عنه ، وإنما في المسار الذي سبق توقيعه .
إنه ، بهذا المعنى، ليس ردة فعل على الفوضى التي تعيشها المنطقة ، وإنما محاولة لبناء أدوات تمنع الفوضى من التحول إلى قاعدة دائمة .
وهنا تحديدا تكمن قوة الاتفاقية.
فالدول الثلاث لا تواجه التحديات نفسها ، ولا تتحرك داخل البيئة الاستراتيجية ذاتها ، ولا تمتلك الأدوات نفسها .
لكن اختلاف المصالح والقدرات يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة عندما يجري تنظيمه داخل إطار واضح للتعاون .
تركيا تمتلك خبرة عسكرية واسعة ، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي ، كما طورت خلال السنوات الأخيرة قاعدة متقدمة للصناعات الدفاعية ، خصوصا في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والصواريخ والمنصات العسكرية .
السعودية ، من جهتها ، تمتلك ثقلا اقتصاديا وسياسيا هائلا ، وموقعا جغرافيا يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر وممرات الطاقة والتجارة الدولية جزءا أساسيا من أمنها الوطني .
كما أن المملكة، من خلال ” رؤية 2030 ” ، تعمل على بناء قاعدة صناعية وتقنية ودفاعية أكثر استقلالا ، بما يعزز قدرتها على المشاركة في صياغة منظومة أمن إقليمية أكثر توازنا .
أما باكستان ، فتملك جيشا ذا خبرة واسعة ، وقدرات دفاعية مهمة ، وموقعا جغرافيا بالغ الحساسية عند تقاطع جنوب آسيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى ، إضافة إلى خبراتها في المجالات العسكرية والتكنولوجية .
وهكذا، فإن قوة الاتفاق لا تأتي من جمع ثلاث قوى متشابهة ، وإنما من تكامل ثلاث قوى مختلفة .
وهذا التكامل يمكن أن يخلق قيمة استراتيجية أكبر بكثير من مجموع قدرات الأطراف منفردة .
وعندما تلتقي هذه العناصر في إطار واحد، يصبح الحديث عن الأمن أوسع من مفهوم الدفاع العسكري المباشر .
كما ان القيمة الأعمق لاتفاق مكة قد تكون سياسية قبل أن تكون عسكرية.
فالعالم الإسلامي ظل، لعقود طويلة، يمتلك دولاً قوية منفردة، لكنه عانى في كثير من الأحيان من غياب آليات فاعلة لتحويل هذه القوة المتفرقة إلى تعاون استراتيجي منظم.
لهذا فاتفاق مكة قد يكون بداية لشيء أكبر بكثير من مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول .
