في ليبيا .. صراعات العائلة تهز منظومة حفتر وتفتح معركة الخلافة .
بنغازي – عرب 21:: أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
تدخل منظومة المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا مرحلة شديدة الحساسية ، تتداخل فيها الضغوط الأمنية مع صراعات النفوذ داخل العائلة ، في وقت بدأت فيه ترتيبات الخلافة تفرض نفسها بقوة على المشهد .
ويأتي اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي ، اللواء فوزي المنصوري ، في قلب بنغازي ، ليطرح أسئلة تتجاوز حدود الحادث الأمني ، وتلامس مستقبل المنظومة التي بناها حفتر على مدى سنوات .
ففي 10 أغسطس ، قُتل المنصوري إثر انفجار استهدف سيارته بعد خروجه من مسجد السيدة في بنغازي . ولم يكن وقع العملية عاديا ، بالنظر إلى موقع الرجل وقربه من حفتر ودوره في بناء المنظومة الأمنية والعسكرية التي رسخها المشير في شرق البلاد ، قبل أن تمتد إلى الجنوب ومناطق الهلال النفطي .
وسارعت سلطات شرق ليبيا إلى اتهام خلية وصفتها بـ ” الإرهابية ” بالوقوف وراء العملية ، مع ترجيح فرضية الدافع الجهادي .
غير أن هذه الرواية لم تغلق باب التساؤلات ، خصوصا أن بنغازي تخضع منذ سنوات لرقابة أمنية مشددة ، وأن الجماعات الجهادية التي نشطت في المدينة عقب 2011 تعرضت لحملات عسكرية وأمنية واسعة .
وبالتالي ، فإن ثبوت عودة نشاط جهادي منظم في بنغازي سيمثل ضربة لصورة حفتر باعتباره الرجل الذي أعاد فرض الأمن والاستقرار على شرق ليبيا .
أما إذا كشفت التحقيقات عن صراع داخلي أو تصفية حسابات مرتبطة بالنفوذ ، فإن المسألة ستكون أكثر حساسية ، لأنها تعني أن مصادر الخطر قد تكون موجودة داخل المنظومة نفسها .
وقد اعتبر أسامة أسعد ، مدير مركز ليبيا للأبحاث والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في طرابلس ، أن هجوم بنغازي ” يهز الرواية الأمنية ” للجيش الوطني الليبي .
ورغم أن الحديث عن تفكك وشيك للمنظومة يبدو سابقا لأوانه ، فإن العملية أصابت صورة النظام الأمني شديد المركزية ، الذي طالما قدم نفسه باعتباره قادرا على إحكام السيطرة ومنع خصومه من اختراقه .
وتزداد دلالة العملية بالنظر إلى سجل المنظومة خلال السنوات الماضية ، وما رافقه من قمع للمعارضين والاحتجاجات ، واغتيالات استهدفت شخصيات سياسية وعسكرية ، فضلا عن تحول بعض الحلفاء السابقين إلى خصوم . ومن هنا يبرز السؤال الأهم : إذا كانت المنظومة عاجزة عن حماية أحد أبرز مسؤولي استخباراتها ، فكيف ستتمكن من إدارة مرحلة انتقال السلطة عندما يغيب الرجل الذي تتمحور حوله ؟ .
يبلغ المشير خليفة حفتر 82 عاما ، وهو ما يجعل مسألة الخلافة أكثر حضورا في حسابات معسكره .
ومن بين أبنائه الخمسة، برز صدام حفتر بوصفه المرشح الأوفر حظا لخلافة والده ، خصوصا بعد تعيينه عام 2025 قائدا عاما مساعدا للجيش الوطني الليبي .
لكن صعود صدام لم يكن بعيدا عن التنافس داخل العائلة . فشقيقه خالد يشغل منصب رئيس أركان الجيش الوطني الليبي ، بينما يحاول بلقاسم تثبيت موقعه من خلال ملف إعادة الإعمار ، مستفيدا من دوره في إدارة مشاريع مرتبطة بإعادة إعمار المناطق المتضررة من إعصار دانيال ، وما يوفره ذلك من نفوذ اقتصادي وعلاقات واسعة مع جهات خارجية .
أما بقية أفراد العائلة ، ومن بينهم صديق وعقبة ، فيسعون بدورهم إلى الحفاظ على مواقعهم وشبكات مصالحهم ، بما يعكس اتساع دائرة النفوذ داخل الأسرة وتحول الخلافة تدريجيا من مسألة شخصية إلى قضية تتعلق بتوزيع السلطة والثروة ومراكز القرار .
ويختصر أنس الغماتي ، مدير معهد صادق للدراسات في طرابلس ، المعضلة بالقول إن حفتر ” بنى نظامه لرجل واحد، وليس لخمسة ” .
وهذه ربما هي المعضلة الأساسية التي تواجه شرق ليبيا . فالنظام الذي نجح في ظل قائد واحد شديد المركزية قد يواجه صعوبة كبيرة عندما تنتقل السلطة إلى مجموعة من الورثة، لكل منهم طموحاته وشبكاته وتحالفاته ومصالحه .
ولا تنفصل التوترات داخل عائلة حفتر عن التطورات الميدانية ، خصوصا في الجنوب ، حيث قامت قوة الرجل تاريخيا على مزيج من القوة العسكرية والتحالفات القبلية وشبكات المصالح .
وكانت السيطرة على فزان والمناطق الحدودية مع الجزائر والنيجر وتشاد والسودان أحد أهم عناصر نفوذ حفتر ، إذ سمحت له بتقديم نفسه باعتباره القادر على ضبط الحدود ومواجهة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية .
لكن هذه المعادلة بدأت تتعرض للاهتزاز منذ عام 2025، عندما أُقصي حسن الزادمة ، أحد أبرز قادة قبيلة أولاد سليمان وقائد اللواء 128، إثر خلافات مع صدام حفتر. ولم يكتف الزادمة بالابتعاد عن معسكر حفتر، بل اقترب من السلطات المنافسة في طرابلس ، حيث أصبح شقيقه سالم الزادمة نائبا لرئيس الوزراء .
ثم جاء انشقاق محمد وردوغو ، المنتمي إلى قبيلة التبو ، ليضيف تحديا جديدا . فقد كان وردوغو جزءا من منظومة حفتر في تأمين الحدود مع تشاد والنيجر ، قبل أن يؤسس في مطلع 2026 مجموعة مسلحة خاصة به تحت اسم ” غرفة عمليات تحرير الجنوب ” ، ويبدأ في استهداف مواقع تابعة لقوات حفتر.
وتكشف هذه التطورات هشاشة بعض التحالفات التي قامت عليها سلطة حفتر في الجنوب .
فسيطرته على فزان لم تكن قائمة دائما على وجود عسكري مباشر ، بل اعتمدت بدرجة كبيرة على شبكة من التحالفات القبلية والولاءات التي جرى تثبيتها عبر المصالح والموارد والوعود السياسية .
وكما يقول الغماتي، فإن حفتر لم «يحتل» فزان بقدر ما ” استأجر ” ولاء قبائلها.
وهنا تظهر واحدة من أخطر معضلات مرحلة ما بعد حفتر : ما تمكن المشير من إدارته بفضل شخصيته ونفوذه وعلاقاته الطويلة داخل المؤسسة العسكرية والقبائل ، قد لا يكون قابلا للانتقال بالسهولة نفسها إلى أبنائه .
تكمن خطورة المرحلة المقبلة في أن الخلافة قد لا تكون مجرد انتقال للسلطة من الأب إلى أحد أبنائه ، بل إعادة توزيع كاملة لمراكز القوة داخل المنظومة .
فصدام يمتلك ثقلاً عسكرياً متزايدا ، وخالد يحظى بموقع مهم داخل المؤسسة العسكرية، بينما يمتلك بلقاسم أدوات نفوذ اقتصادي مرتبطة بإعادة الإعمار .
وبين هذه المراكز تتوزع شبكات أخرى من المصالح والولاءات، ما يجعل أي انتقال غير منظم للسلطة قابلا للتحول إلى صراع داخل البيت نفسه.
وفي المقابل، تتداول أوساط سياسية ليبية سيناريوهات تتحدث عن احتمال صعود صدام حفتر إلى رئاسة دولة ليبية موحدة في حال نجاح مسار سياسي يقود إلى توحيد المؤسسات ، مقابل إسناد رئاسة الحكومة إلى شخصية من عائلة الدبيبة التي تمسك بمقاليد السلطة في طرابلس .
ولا يزال هذا السيناريو افتراضيا ، لكنه يعكس حجم الطموحات التي بدأت تتحرك خلف الكواليس، ويكشف أن الصراع على مستقبل ليبيا لا يدور فقط بين الشرق والغرب، وإنما بدأ يتخذ أيضاً شكل تنافس داخل كل معسكر على شكل الدولة المقبلة ومن سيقودها.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع التحركات الدبلوماسية الأميركية في الملف الليبي ، التي يقودها مسعد بولس ، المستشار الخاص للرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية ، بما قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة، ويجعل معركة الخلافة داخل معسكر حفتر جزءاً من مفاوضات أوسع حول مستقبل ليبيا.
وبين اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية ، وتنافس أبناء حفتر، والتصدعات القبلية في الجنوب، تبدو منظومة المشير أمام اختبار غير مسبوق .
فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بقدرة حفتر على فرض السيطرة ، وإنما بقدرته على نقلها من شخصه إلى عائلته من دون أن تتحول الخلافة إلى نقطة ضعف تفتح الباب أمام تفكك المنظومة .
وفي بلد لم يغلق بعد ملف الانقسام السياسي والمؤسساتي ، قد تكون معركة ما بعد حفتر أكثر تعقيداً من معركة حفتر نفسه .
فالرجل الذي نجح في بناء منظومة سياسية وعسكرية شديدة المركزية يواجه الآن أصعب اختبار في مسيرته : هل يستطيع ان يورّث منظومته من دون ان تتحول خلافة الأب إلى صراع بين الابناء .
قد تكون معركة ما بعد حفتر أكثر تعقيداً من معركة حفتر نفسه .
فالرجل الذي نجح في بناء منظومة سياسية وعسكرية شديدة المركزية يواجه الآن أصعب اختبار : هل يستطيع أن يورّث هذه المنظومة من دون أن تتفكك تحت وطأة صراعات الورثة ؟.
