عطاء المملكة العربية السعودية.. اليمن في قلب العمل الإنساني.
عواصم – عرب 21:: أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، الذي يصادف 19 أغسطس من كل عام، تتجدد الإضاءة على قيمة العطاء الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليضع الإنسان في صدارة الأولويات. وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجا متقدما في العمل الإنساني والإغاثي، بعدما جعلت من مساندة الشعوب المتضررة من الأزمات نهجا راسخا امتد لعقود، وتحوّل إلى أحد ملامح حضورها الإنساني على الساحة الدولية.
ومنذ تأسيسها، لم تنظر المملكة إلى العمل الإنساني باعتباره استجابة مؤقتة للكوارث والأزمات، بل تعاملت معه باعتباره مسؤولية مستمرة، تجمع بين الإغاثة العاجلة والتنمية وإعادة البناء وتمكين الإنسان من استعادة حياته وكرامته. وتكشف الأرقام حجم هذا الالتزام، إذ تجاوز إجمالي ما قدمته المملكة من مساعدات إنسانية وتنموية 145 مليار دولار أمريكي، توزعت على نحو 8,997 مشروعا في 175 دولة، بما يجعلها واحدة من أبرز الدول المانحة على مستوى العالم.
وفي عام 2025، جاءت المملكة في المرتبة الثانية عالميا والأولى عربيا في تقديم المساعدات الإنسانية، وفق بيانات الأمم المتحدة، في مؤشر يعكس استمرار هذا الدور واتساع نطاقه، ويؤكد أن العطاء السعودي لم يعد مجرد مبادرات متفرقة، وإنما أصبح سياسة إنسانية متكاملة تمتد إلى مناطق الأزمات والكوارث في مختلف أنحاء العالم.
لكن اليمن يحتل مكانة خاصة في هذه المسيرة الإنسانية، بالنظر إلى حجم الأزمة التي عاشها ويعيشها الشعب اليمني، وما خلفه الصراع من تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة. وفي هذا البلد، لم يقتصر الحضور السعودي على تقديم الغذاء والدواء، بل امتد إلى حماية المدنيين، وتأمين المياه والخدمات الأساسية، ودعم الصحة والتعليم، وإزالة الألغام، وتأهيل الأطفال المتضررين من النزاع، والمساهمة في إعادة الحياة إلى المناطق التي أنهكتها الحرب.
وفي عام 2025، تصدرت المملكة قائمة المانحين لليمن، بنسبة بلغت 49.3% من إجمالي المساعدات، فيما نفذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية 1,219 مشروعا في اليمن، بقيمة تجاوزت 4.785 مليار دولار. وهذه الأرقام لا تعكس حجم الإنفاق فحسب، بل تكشف أيضا اتساع نطاق المسؤولية التي حملتها المملكة تجاه الشعب اليمني في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في المنطقة.
ومن أبرز وجوه هذا العطاء مشروع “مسام” لنزع الألغام، الذي أصبح عنوانا للعمل الإنساني المرتبط مباشرة بحماية حياة المدنيين. فقد أسهم المشروع في نزع أكثر من 585 ألف لغم، بما ساعد على حماية السكان وفتح الطرق وتأمين المناطق وتهيئة الظروف لعودة الحياة إلى مناطق واسعة تضررت من الحرب.
ولا يقل البعد الإنساني أهمية في التعامل مع الأطفال الذين وجدوا أنفسهم ضحايا مباشرة للنزاع. ومن خلال مشروع “كفاك”،عملت المملكة على إعادة تأهيل الأطفال المجندين والمتأثرين بالحرب، ومساعدتهم على العودة إلى التعليم والحياة الطبيعية، في مقاربة تؤكد أن معالجة آثار الحرب لا تبدأ بإعادة إعمار الحجر فقط، وإنما باستعادة الإنسان نفسه.
وهنا تتجلى خصوصية الرؤية السعودية،فالإغاثة لا تتوقف عند توزيع المساعدات، وإنما تتحول إلى مشروع لاستعادة القدرة على الحياة. فحين يُنزع لغم من طريق يمر فيه المدنيون، وحين يُعاد طفل إلى مقعد الدراسة، وحين تصل الأدوية إلى مريض أو المياه إلى منطقة محرومة، فإن المساعدة تتحول من رقم في تقرير إلى حياة تُنقذ وأمل يُستعاد.
ومنذ تأسيس مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية عام 2015، اتسع هذا الدور ليشمل عشرات الدول ومختلف القطاعات الحيوية. فقد نفذ المركز أكثر من 4,425 مشروعاً في 113 دولة، بتكلفة تجاوزت 8 مليارات دولار، شملت الغذاء والصحة والتعليم والإيواء والمياه والإصحاح البيئي، إلى جانب برامج حماية الفئات الأكثر هشاشة في مناطق النزاعات والكوارث.
وامتدت الجسور الإنسانية السعودية إلى غزة، كما وصلت المساعدات إلى سوريا والسودان ولبنان وباكستان وغيرها من الدول التي واجهت أزمات إنسانية قاسية. وفي المجال الطبي، يبرز البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة، الذي نجح منذ عام 1990 في إجراء عشرات عمليات الفصل، ليصبح واحداً من أكثر البرامج الإنسانية والطبية السعودية حضوراً على المستوى الدولي.
أما العمل التطوعي، فقد أخذ بدوره مكانا متقدما في المنظومة الإنسانية السعودية، إذ نفذ مركز الملك سلمان للإغاثة 1,435 برنامجا تطوعيا في 59 دولة، شارك فيها أكثر من 84 ألف متطوع، واستفاد منها أكثر من 2.8 مليون شخص، إلى جانب إجراء أكثر من 270 ألف عملية جراحية من خلال الفرق الطبية التطوعية.
وفي اليمن تحديدا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فبينما تتحرك المملكة عبر الغذاء والدواء ونزع الألغام وتأهيل الأطفال ودعم الخدمات الأساسية، تواصل ميليشيات الحوثي تعقيد المشهد اليمني وإطالة أمد الأزمة، بما يضاعف معاناة المدنيين ويهدد فرص الاستقرار والتنمية.
إن المقارنة هنا ليست بين طرفين سياسيين، بقدر ما هي بين مسارين متناقضين: مسار يضع الإنسان في قلب الأولويات، ومسار يدفع بالمجتمع إلى دوامة الحرب والفقر والنزوح. وبينما تنفق المملكة على إزالة الألغام التي تهدد حياة اليمنيين، وعلى علاج المرضى وتأهيل الأطفال وإغاثة الأسر، تبقى الألغام والحرب والتجنيد والانقسام أدوات تعمق الجرح اليمني وتؤجل فرصة التعافي.
ولذلك، فإن العطاء السعودي لا يمكن اختزاله في حجم الأموال التي أنفقت أو عدد المشاريع التي نُفذت، لأن القيمة الحقيقية لأي مساعدة تقاس في نهاية المطاف بأثرها على حياة الإنسان. وفي الحالة اليمنية تحديداً، يصبح هذا الأثر أكثر وضوحاً، لأن كل مشروع إغاثي أو طبي أو تنموي يمثل خطوة في الاتجاه المعاكس لمسار الحرب، وكل طفل يُعاد إلى المدرسة هو انتصار على منطق التجنيد، وكل لغم يُنزع هو مساحة جديدة للحياة.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، تبدو التجربة السعودية شاهدا على أن العمل الإنساني يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة من أجل الاستقرار، وإلى جسر بين الشعوب، وإلى وسيلة لحماية الإنسان من تداعيات الأزمات، لا بمجرد الاستجابة لها، وإنما بالمساهمة في بناء شروط التعافي بعدها.
وفي اليمن، حيث تختبر الإنسانية أقسى وجوهها، يظل العطاء السعودي حاضراً في الغذاء والدواء والماء والتعليم والطب وإزالة الألغام وتأهيل الأطفال. وهو عطاء لا يستهدف فقط تخفيف معاناة الحاضر، وإنما فتح الطريق أمام مستقبل يستطيع فيه اليمنيون أن يستعيدوا حياتهم بعيداً عن الخوف والفقر والحرب.
وهكذا، يصبح العطاء السعودي أكثر من مساعدات وأرقام ومشاريع؛ إنه رؤية تضع الإنسان في مركز العمل الإنساني، وتربط الإغاثة بالتنمية، والتنمية بالاستقرار، والاستقرار بقدرة الشعوب على استعادة حياتها بكرامة. وفي اليمن، كما في غيره من مناطق الأزمات، تواصل المملكة تقديم نموذج يقول إن مواجهة الأزمات لا تكون بإدامة الصراع، وإنما بإنقاذ الإنسان ومنحه فرصة جديدة للحياة.
