حين ينفد الصبر.. الإمارات تضع حداً للتصعيد الإيراني بحكمة الدولة .
بقلم – ابوبكر الصغير .
ليست الحكمة في أن ترد الدولة على كل استفزاز بانفعال ، ولا أن تجعل الغضب بديلا عن القرار الصائب في لحظته .
الحكمة الحقيقية هي أن تعرف متى تصبر ، ومتى ترد الفعل ، وكيف تحوّل الصبر إلى قوة ، والقوة إلى موقف محسوب .
من هذه الزاوية، تكشف الإمارات العربية المتحدة مرة أخرى عن مدرسة مختلفة في إدارة الأزمات .
فبعد تصعيد إقليمي متواصل ، أعلنت أبوظبي وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر ، مؤكدة أن هذا القرار السيادي ، جاء في ضوء التصعيد الذي قوّض الأمن والسلام الإقليمي والدولي . وفي الوقت نفسه، أبقت الإمارات باب الحوار والتعاون والتكامل الإقليمي مفتوحا .
هذه ليست سياسة دولة تبحث عن التصعيد ، بل سياسة دولة بقيادة حكيمة ، تعرف قيمة الامان و الاستقرار ، لكنها تعرف أيضا أن الصمت لايعني عدم رد الفعل ، و ان الصبر لا يعني الضعف ، وأن الانفتاح لا يعني التهاون .
اختارت الإمارات، طوال فترة طويلة، لغة الحوار والعلاقات الاخوية من دولة مسلمة شقيقة ، راعت الروابط الاجتماعية و الاقتصادية والتعاون الإقليمي ، حتى في أكثر المراحل حساسية.
لكنها في المقابل لم تتخل عن حقها السيادي و المشروع في حماية أمنها ومصالحها، وعندما أصبح التصعيد الإيراني يمس الاستقرار الإقليمي ، انتقلت من لغة التحذير إلى إجراءات واضحة ومدروسة .
والأهم أن أبوظبي لم تفقد هدوءها حتى وهي تواجه الاستفزاز و العدوان .
فالقيادة الإماراتية بحكمتها و بعد نظرها ، لا تتعامل مع الدولة بمنطق ردود الفعل اليومية، وإنما بمنطق المصلحة الوطنية العليا و بعيدة المدى .
لا تتكلم كثيرا ، و لا تهدد كثيرا ، ولا تصرخ كثيرا ، ولا تدخل في مزايدات إعلامية ، بل تترك للقرار السياسي والقانوني والدبلوماسي أن يتحدث في اللحظة المناسبة .
وهذا تحديدا ما يجعل الموقف الإماراتي ثابتا ، رصينا ، قويا .
الإمارات قالتها بوضوح : نحن بلد سلام. نريد السلام ، لكن السلام لا يعني قبول العدوان . نريد الحوار ، لكن الحوار لا يعني التخلي عن الأمن . نريد التعاون الإقليمي ، لكن التعاون لا يمكن أن يقوم فوق تهديد الدول واستهداف أمنها ومصالحها و الاصرار على ضرب المصالح .
حتى في قرارها الاقتصادي، حافظت أبوظبي على خطاب عقلاني مسؤول ، مؤكدة التزامها بصون سلامة النظام المالي الدولي واحترام القانون الدولي وأعلى المعايير العالمية.
وهنا تظهر قيمة القيادة الحكيمة : أن تجمع بين الصبر والحزم، وبين الانفتاح والردع، وبين الدبلوماسية وحماية المصالح .
لقد راهنت الإمارات طويلا على أن لغة العقل يمكن أن تنتصر و ان تكون أقوى من لغة المسيرات و الصواريخ ، وأن الحوار يمكن أن يفتح الأبواب التي تغلقها المواجهة .
لكن عندما يستمر التصعيد ، يصبح من حق الدولة السيادي أن تقول : إلى هنا قف .
لهذا فان الرسالة الأهم في الموقف الإماراتي هو أن الصبر ليس إلى ما لا نهاية.
فالإمارات اكدت ذلك في عديد المناسبات انها لا تبحث عن حرب مع إيران ، ولا عن قطيعة دائمة مع الشعب الإيراني، ولا عن توسيع دائرة الصراع .
إنها تريد ببساطة منطقة مستقرة ، ودولاً تحترم سيادة بعضها بعضا ، وممرات تجارية آمنة، وعلاقات تقوم على المصالح المتبادلة لا على التهديد .
وهذا هو الفارق بين دولة تدير الأزمة بعقل الدولة، وأخرى تديرها بمنطق المليشيات و العصابات و المغامرة.
إن الإمارات، وهي تتخذ هذا القرار، لا تغلق باب السلام نهائيا بل تحاول حماية شروطه.
فالسلام يحتاج إلى شجاعة ، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى عقل ، وإلى صبر، وإلى دولة تعرف متى تتحدث ومتى تتحرك .
هذه هي الإمارات اليوم : هادئة حين يجب أن تكون هادئة، حازمة حين يصبح الحزم ضرورة، ومنفتحة على الحوار ، لكنها لا تسمح بأن يتحول الحوار إلى غطاء للعدوان .
وفي زمن تزداد فيه التوترات، تبقى حكمة القيادة الإماراتية في أنها لا تسمح للغضب أن يقود القرار ، ولا تسمح للصبر أن يُفسر تهاونا و ضعفا .
إنها ببساطة سياسة دولة تعرف وزنها، وتحمي مصالح شعبها ، وتراهن على السلام، لكنها لا تتنازل عن حقها في الأمن.
وهذه، في النهاية، هي قوة الإمارات الحقيقية : أن تصبر طويلا ، لكنها حين تتخذ القرار ، يكون القرار محسوبا ، هادئا ، واضحا ، و حازما .
