حين اجتمعت فلسطين في قلب الإمارات .
تونس – عرب 21 : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تكن فعالية ” الإمارات تحب فلسطين” ، التي جمعت أكثر من 50 ألف شخص في دبي، مجرد مناسبة احتفالية عابرة ، بل كانت مشهداً إنسانياً حضاريا وثقافياً بالغ الدلالة ، اختزل في لحظة واحدة عمق العلاقة التي تجمع دولة الإمارات بفلسطين وشعبها .
وفي الوقت الذي كانت فيه دبي تحتفي بفلسطين ، كان أبناء غزة يرسلون من قلب القطاع رسالة مقابلة بعنوان ” فلسطين تحب الإمارات ” . وبين المشهدين، بدا أن ثمة لغة تتجاوز السياسة والجغرافيا ، هي لغة الإنسان والثقافة والذاكرة والمحبة والتضامن .
في مركز دبي للمعارض بمدينة إكسبو دبي، حضرت فلسطين بكل ما تختزنه من هوية وتراث وثقافة و شعب .
لم تكن فلسطين هناك مجرد قضية سياسية ، بل كانت أغنية وحكاية وفنا شعبيا ومأكولات وحرفا تقليدية ومشاريع منزلية وقصص نجاح .
كانت حاضرة بوصفها وطنا حيّا ، وشعبا يحمل إرثاً حضارياً عريقاً ويصر ، رغم الألم والحرب ، على أن يصنع الحياة ويحافظ على ذاكرته .
ولعل القيمة الأبرز لهذه الفعالية أنها منحت أبناء الجالية الفلسطينية في الإمارات مساحة واسعة للاحتفاء بهويتهم وثقافتهم ، ورسخت لديهم شعورا عميقا بالانتماء والاعتراف .
كما اكتسب الحضور الإماراتي الرسمي والمجتمعي دلالة خاصة ، خصوصا مع تأكيد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان أن الجالية الفلسطينية كانت ، على مدى عقود ، جزءا أصيلا وفاعلا من نسيج المجتمع الإماراتي ، وأن أبناءها أسهموا في مسيرة التنمية في مجالات عديدة .
وهنا تتجاوز المناسبة حدود الاحتفاء بفلسطين إلى معنى أوسع يتعلق بفلسفة التعايش والانفتاح التي تقوم عليها الإمارات : فالتنوع الثقافي ليس عبئا على المجتمعات، بل مصدر قوة، والجاليات ليست مجرد تجمعات بشرية، وإنما جسور حية بين الأوطان والثقافات .
ومن هذا المنطلق ، جاء تكريم عدد من الشخصيات الفلسطينية الناجحة ، من أطباء ومهندسين وأساتذة وإعلاميين ورجال أعمال ، ليؤكد أن الفلسطيني لا ينبغي أن يُرى من خلال معاناته وحدها ، بل أيضاً من خلال كفاءته ونجاحه وقدرته على الإسهام في بناء المجتمع الذي يعيش فيه.
ففلسطين ليست فقط صورة للدمار والحصار واللجوء . خلف هذه الصور شعب يملك علما وإبداعا وطموحا و إرادة للحياة. والاحتفاء بالإنسان الفلسطيني يعني الاعتراف بأنه ليس ضحية فحسب ، وإنما إنسان قادر على الإنجاز وصناعة المستقبل ، حتى وهو يحمل في قلبه جرح وطنه .
وفي هذا السياق ، اكتسبت كلمات الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان أهمية خاصة ، حين أكد التزام الإمارات بمواصلة جهودها الإنسانية لدعم الشعب الفلسطيني والتخفيف من معاناته ، مستحضرا حجم المساعدات التي قدمتها الدولة إلى قطاع غزة .
وهنا يلتقي الإنساني بالثقافي . فالتضامن مع فلسطين لا يقتصر على تقديم المساعدة في أوقات الأزمات، وإنما يشمل أيضا حماية هويتها ، وصون ذاكرتها ، والاحتفاء بثقافتها ، ومنح أبنائها المساحة التي يستحقونها ليكونوا شركاء في الحياة والتنمية .
أما المشهد المقابل في غزة، حيث أقيمت فعالية ” فلسطين تحب الإمارات ” بالتزامن مع احتفال دبي، فقد منح المناسبة بعدا إنسانيا أكثر عمقا وتأثيرا .
من غزة المحاصرة ، خرجت رسالة محبة إلى الإمارات ، وفي دبي اجتمع الفلسطينيون للاحتفاء بوطنهم .
مشهدان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكنهما التقيا في معنى واحد : الشعوب قادرة على بناء جسور لا تستطيع الحروب هدمها .
وهنا تظهر قوة الثقافة باعتبارها واحدة من أكثر أدوات التواصل الإنساني تأثيرا .
فالأغنية الفلسطينية ، والزي الشعبي ، والمطبخ التراثي ، والحكاية التي يحملها الفلسطيني عن وطنه ، كلها تتحول إلى جسور تعرّف العالم بفلسطين بعيداً عن صور الحرب والدمار .
وفي المقابل ، فإن احتضان الإمارات للثقافة الفلسطينية يبعث برسالة واضحة : دعم فلسطين لا يكون فقط بالمواقف السياسية أو المساعدات الإنسانية ، بل يكون أيضا بحماية هويتها ، واحترام ذاكرتها ، والاعتراف بثراء ثقافتها ، والاحتفاء بأبنائها وإنجازاتهم .
لهذا تبدو ” الإمارات تحب فلسطين ” أكبر بكثير من مجرد عنوان لفعالية .
إنها صورة لعلاقة إنسانية تتجاوز الحسابات السياسية ، وتؤكد أن المحبة والتضامن والثقافة قادرة على صناعة ما تعجز عنه الحدود .
في دبي، اجتمع الفلسطينيون على أغاني وطنهم وتراثه وذاكرته ، وفي غزة ارتفعت رسالة تقول: ” فلسطين تحب الإمارات ” .
وبين الرسالتين، كان المعنى الأجمل واضحا : هناك جسور لا تهدمها الحروب ، ولا تغلقها الحدود ، لأن أساسها الإنسان .
