38°C تونس
28/08/2026
بعد هرمز.. الخليج يبحث عن طريق جديد للذهب الأسود.
أراء وأفكار

بعد هرمز.. الخليج يبحث عن طريق جديد للذهب الأسود.

أغسطس 28, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم يعد مضيق هرمز الطريق الوحيد أمام نفط الخليج للوصول إلى الأسواق الآسيوية . فالحرب في إيران أعادت رسم كل خريطة الطاقة في المنطقة ، ودفعت الدول النفطية إلى البحث سريعًا عن مسارات جديدة بديلة ، بعدما تحول الممر البحري الذي كان لعقود شريانا رئيسيا لتجارة الطاقة إلى نقطة اختناق تحمل مخاطر أمنية واقتصادية متزايدة .
وقبل اندلاع الحرب ، كان نحو 20 مليون برميل من النفط يعبر هرمز يوميا، بما يجعله أحد أهم الممرات النفطية في العالم ، لكنه في الوقت نفسه جعل جزءا كبيرا من صادرات الخليج مكشوفا أمام أي تصعيد إقليمي .
ومع اضطراب الملاحة خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت فكرة “ما بعد هرمز” أكثر من مجرد سيناريو افتراضي ، فقد بدأت دول المنطقة بالفعل في تسريع مشاريع خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البديلة.
وتبرز الإمارات في مقدمة هذا التحول الكبير ، بعدما كانت قد استثمرت مبكرًا في بناء طريق يتجاوز المضيق .
فخط أنابيب أبوظبي للنفط الخام، الممتد لنحو 400 كيلومتر بين حقول حبشان وميناء الفجيرة على خليج عُمان، يجري العمل على مضاعفة طاقته لتصل إلى نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا بحلول 2027، أي ما يقارب كامل الإنتاج النفطي الإماراتي. ولا يتوقف الرهان الإماراتي عند النفط الخام، بل يشمل أيضًا توسيع المنشآت المينائية ودراسة إنشاء خط ثالث لنقل المنتجات النفطية المكررة ، بما يمنح أبوظبي منظومة تصدير أكثر استقلالا عن هرمز .
أما السعودية، فتمتلك منذ سنوات ورقة استراتيجية مهمة تتمثل في خط الأنابيب الممتد من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ، بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا. وتبحث الرياض تعزيز استخدام هذا المسار وتوسيع خياراتها التصديرية ، غير أن التحدي يكمن في قدرة ميناء ينبع نفسه ، الذي تتراوح طاقته الحالية للتحميل بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا، ما يعني أن أي توسعة حقيقية ستحتاج إلى تطوير الميناء بالتوازي مع زيادة قدرة الأنابيب .
وفي المقابل، تبدو الكويت والبحرين وقطر أكثر ارتباطًا بالمضيق . فالكويت لا تملك منفذًا بديلًا مماثلًا، بينما تواجه قطر تحديًا أكبر لأن صادراتها من الغاز الطبيعي المسال تعتمد بصورة مباشرة على الملاحة البحرية ، ما يجعل أزمة هرمز بالنسبة إليها قضية طاقة واقتصاد في آن واحد .
وفي العراق ، تتجه الأنظار إلى مشاريع يمكن أن تفتح منفاذًا جديدًا نحو البحر المتوسط، من بينها إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس، إلى جانب دراسة خطوط تربط البصرة بمناطق في شمال البلاد ، مع إمكانية التوجه لاحقًا نحو سوريا أو تركيا أو الأردن .
وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية لأنها قد تمنح النفط العراقي خيارات أوسع خارج الخليج ، فيما تنظر إليها واشنطن باعتبارها جزءًا من إعادة ترتيب البنية الاستراتيجية للطاقة في المنطقة.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على التحول إلى واقع.
فبعض الخطط يحمل طابعًا عمليًا واضحًا ، بينما يخدم بعضها الآخر وظيفة سياسية تتمثل في إيصال رسالة إلى إيران مفادها أن دول الخليج لن تبقى رهينة لممر واحد .
وفي الحالتين، فإن مجرد امتلاك البديل قد يتحول إلى عنصر قوة .
واللافت أن التمويل لا يبدو العقبة الأصعب بالنسبة إلى السعودية والإمارات ، في ظل الإمكانات المالية التي تتمتع بها شركتا أرامكو وأدنوك .
كما أن تكلفة بناء خطوط جديدة قد تبدو محدودة مقارنة بالخسائر التي يمكن أن يسببها توقف الصادرات لفترة طويلة ، فخسارة مليون برميل يوميًا لمدة عام ، عند متوسط سعر يبلغ 80 دولارًا للبرميل ، تعني نحو 30 مليار دولار . لكن العقبة الحقيقية تبقى في السياسة والجغرافيا، خصوصًا عندما تتطلب المشاريع تعاون دول متعددة أو المرور عبر مناطق غير مستقرة.
وقد خلصت تقديرات اقتصادية إلى أن أكثر من 45% من النفط الذي كان يمر عبر الخليج قبل الحرب قد يصبح أقل تعرضًا لاضطرابات هرمز بحلول نهاية 2027 ، وقد ترتفع النسبة إلى نحو 60 % في 2028 . غير أن الابتعاد عن هرمز لا يعني اختفاء المخاطر، بل قد يعني انتقالها إلى أماكن أخرى . فالمسارات السعودية على البحر الأحمر تظل عرضة لتهديدات أمنية ، كما أن تجاوز مضيق باب المندب واللجوء إلى طرق أطول حول إفريقيا يرفع زمن الرحلات وتكلفة الشحن .
وهنا تظهر المفارقة : كلما بحث الخليج عن طريق بديل ، اكتشف أن الجغرافيا لا تسمح بإلغاء المخاطر ، وإنما تسمح بإعادة توزيعها. وفي خضم هذه التحولات تبدو الإمارات في موقع متقدم ، بفضل بنيتها التحتية على الساحل الشرقي وخططها لزيادة إنتاج النفط والغاز وتطوير قدراتها في مجال تسييل الغاز خارج الخليج .
وهكذا تتحول أزمة هرمز تدريجيا من مشكلة أمنية إلى إعادة صياغة لخريطة الطاقة في المنطقة .
فدول الخليج لم تعد تفكر فقط في حجم ما تملك من النفط والغاز ، وإنما في السؤال الأكثر أهمية : كيف تضمن وصوله إلى الأسواق مهما تغيرت الظروف ؟ والرهان الجديد ليس إلغاء مضيق هرمز ، فهذا غير واقعي ، وإنما تقليص قدرته على أن يكون الطريق الوحيد ، أو نقطة الاختناق التي تستطيع الأزمات تحويلها إلى ورقة ضغط .
ففي عالم الطاقة الجديد، لا تكفي وفرة الذهب الأسود ، بل ان القوة الحقيقية تكمن في امتلاك أكثر من طريق آمن لإيصاله إلى العالم .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *