بعد نصف عام من العدوان الإيراني .. الخليج أكثر ثقة وإيران أكثر إنهاكا .
بقلم – ابوبكر الصغير .
بعد ستة أشهر من العدوان الإيراني ، تبدو الصورة اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى : دول الخليج لم تنكسر ، ولم تتراجع ، ولم تفقد ثقتها بمستقبلها .
على العكس تماما ، خرجت أكثر تماسكا و قوة ، اكثر ثقة بقدرتها على حماية أمنها ومصالحها ، وأكثر إصرارا على بناء اقتصادها ومستقبلها بعيدا عن لغة التهديد والحروب .
لقد أراد النظام الإيراني أن يجعل المنطقة أسيرة للخوف ، وأن يحوّل الجغرافيا الخليجية إلى ساحة مفتوحة للصراع والابتزاز .
لكنه اكتشف ، وربما متأخرا ، أن دول الخليج ليست كما كانت ، وأن السنوات الماضية صنعت دولا أكثر قوة ، واقتصادات أكثر تنوعا ، وقدرات دفاعية وسياسية أكبر ، وعلاقات دولية أكثر اتساعا .
بعد ستة أشهر من عدوان غادر ، الخليج يعيش لحظة مختلفة .
المشاريع مستمرة، والاستثمارات تتدفق، والمدن تتوسع، والاقتصادات تبحث عن المستقبل ، والطموحات لا تتوقف .
من السعودية إلى الإمارات و الكويت وسلطنة عُمان و قطر والبحرين ، تبدو المنطقة بفضل قياداتها الحكيمة أكثر ثقة بقدرتها على تجاوز العواصف، وأكثر إدراكا بأن الأمن الحقيقي لا تصنعه الصواريخ وحدها ، بل تصنعه قوة الدولة ، وتماسك المجتمع ، واقتصاد قادر على الصمود ، ودبلوماسية تعرف كيف تحمي مصالحها.
وفي المقابل، ماذا عن حال إيران؟ .
هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما .
فبينما ينفق النظام الإيراني موارده على الصواريخ والطائرات المسيّرة و المليشيات الإرهابية و شبكات النفوذ والصراعات الإقليمية ، يدفع المواطن الإيراني الثمن . اقتصاد كارثي مثقل بالأزمات ، عملة فقدت قيمتها ، تضخم يضغط على القدرة الشرائية ، بطالة ، تراجع في مستوى المعيشة ، و مواطن يجد نفسه أمام مستقبل لا يعرف إلى أين يتجه.
ان الشعب الإيراني، الذي لا ذنب له في قرارات حكومته، يعيش معاناة قاسية . فالمشكلة لم تعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة، وإنما أصبحت أزمة ثقة في المستقبل.
وهنا يجب الفصل بوضوح بين إيران الدولة والشعب الإيراني من جهة ، وبين سياسات النظام الحاكم من جهة أخرى.
الإيرانيون شعب مسلم شقيق و عريق، صاحب حضارة وثقافة وتاريخ عظيم ، ويستحقون حياة أفضل بكثير من واقع تفرضه عليهم سياسات المواجهة الدائمة .
السؤال الحقيقي اليوم ليس : ماذا حققت إيران من حروبها؟ .
بل : ماذا خسر الإيرانيون بسببها ؟.
كم مدرسة كان يمكن بناؤها ؟ كم مستشفى كان يمكن تطويره ؟ كم فرصة عمل كان يمكن خلقها ؟ وكم مدينة كان يمكن أن تصبح أكثر ازدهارا لو وُجّهت الأموال والطاقات نحو الداخل بدل أن تُستنزف في مغامرات إقليمية مجنونة لا تنتهي ؟.
إن أخطر ما تواجهه إيران اليوم ليس فقط الضغط الخارجي ، وإنما ذلك الشرخ المتزايد بين دولة تنفق على أدوات القوة خارج حدودها، ومجتمع يبحث داخل حدوده عن أبسط مقومات الحياة الكريمة .
بعد نصف عام من العدوان، تبدو المفارقة صارخة : الخليج أكثر ثقة بمستقبله ، وإيران أكثر قلقا على مستقبلها.
الخليج يراهن على الاستثمار والتنمية والتكنولوجيا والسياحة والطاقة والاقتصاد الجديد ، بينما ماتزال إيران عالقة في اقتصاد الأزمات ، وفي دائرة العقوبات والعزلة والتوتر.
لقد أثبتت الأشهر الستة الماضية أن القوة ليست في إطلاق أكبر عدد من الصواريخ و المسيرات ، ولا في رفع سقف التهديدات ، ولا في تصدير الأزمات إلى الجوار .
القوة الحقيقية هي أن تجعل شعبك أكثر أمنا ، وأكثر رخاء ، وأكثر أملا في الغد.
وفي هذه المعادلة تحديدا ، تبدو دول الخليج اليوم في موقع أكثر قوة وثقة ، بينما يقف الإيرانيون أمام سؤال بالغ القسوة : إلى متى يستمر دفع ثمن حروب لم يختاروها؟.
ربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر وضوحا بعد ستة أشهر : الخليج لم يسقط كما أراد له خصومه ، بل ازداد ثقة وصلابة .
أما إيران، فإن استمرار نهج التعنت نفسه لن يقودها إلا إلى مزيد من الاستنزاف ، ومزيد من الأزمات ، ومستقبل أكثر غموضا .
ًفالشعوب لا تنتصر بالصواريخ و المسيرات وحدها.
الشعوب تنتصر عندما يكون لديها اقتصاد قوي ، ودولة مستقرة ، ومؤسسات فاعلة ، وأمل حقيقي في المستقبل .
وهذا هو الرهان الذي يبدو أن الخليج قد اختاره .
أما إيران ، فماتزال تبحث عن طريق للخروج من نفق صنعه نظامها بنفسه .
