المرأة الإماراتية… حين يصبح التمكين جزءاً من هوية الوطن.
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
“بنظهر الأقوى والأفضل” …
ليست مجرد عبارة تختصر احتفال دولة الإمارات بيوم المرأة الإماراتية هذا العام، وليست شعاراً عابراً يُرفع في مناسبة وطنية ثم يطويه انتهاء الاحتفال. إنها جملة تحمل في داخلها ثقة وطن كامل بقدرة نساءه على التقدم والتطور والاسهام في بناء مستقبله ، وأن تكون في كل مرحلة من مراحل نهضة الإمارات أكثر حضوراً وتأثيراً.
وحين تطلق سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات” هذا الشعار، فإنها لا تتحدث عن امرأة تنتظر أن يفتح لها المستقبل أبوابه، بل عن امرأة أصبحت شريكة في صناعة ذلك المستقبل.
في الإمارات، لم تعد قصة المرأة قصة بحث عن مقعد في الصفوف الأمامية؛ فقد أصبحت، في قطاعات كثيرة، من الذين يصنعون المشهد ويقودونه ويقررون اتجاهاته.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الإماراتية.
فالمرأة الإماراتية لم تُدفع إلى الأمام على حساب هويتها، ولم يكن صعودها خروجاً من مجتمعها، بل كان امتداداً طبيعياً لمشروع وطني آمن منذ البدايات بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.
من ابنة البيت إلى شريكة في صناعة الدولة
حين نتأمل صورة الإمارات اليوم، يصعب أن نتحدث عن التنمية بمعزل عن المرأة.
هي في المدرسة والجامعة والمختبر والمستشفى والمحكمة والبرلمان والوزارة والسفارة والشركات ومؤسسات الثقافة والإعلام والفضاء والتكنولوجيا.
وهي في الوقت نفسه أمّ، وابنة، وزوجة، وحاضنة لذاكرة الأسرة وقيم المجتمع.
وهذه الثنائية هي التي تمنح التجربة الإماراتية خصوصيتها: أن تكون المرأة حديثة في أدواتها، واسعة في طموحها، حاضرة في عالم شديد التغير، من دون أن تفقد صلتها بجذورها.
لقد فهمت الإمارات مبكراً أن تمكين المرأة لا يعني فقط منحها وظيفة أو مقعداً في مؤسسة، وإنما يعني بناء البيئة التي تجعلها قادرة على التعلم، والاختيار، والإنجاز، والقيادة.
ولذلك تحولت قضية المرأة من ملف اجتماعي إلى خيار وطني، ومن مطلب إلى سياسة، ومن طموح فردي إلى مشروع دولة.
“بنظهر الأقوى والأفضل”… ثقة بالمستقبل
ما يلفت في شعار هذا العام أنه لا يقول فقط إن المرأة الإماراتية قوية، بل يضعها في حركة مستمرة نحو أن تكون أقوى وأفضل.
وهذا فرق كبير.
فالدول التي تنظر إلى إنجازاتها باعتبارها نهاية الطريق تتوقف عند ما حققته، أما الدول التي تنظر إلى الإنجاز باعتباره بداية لمرحلة جديدة فتظل في حالة صعود.
وهكذا تبدو المرأة الإماراتية اليوم.
لقد قطعت أشواطاً واسعة، لكن الطموح لا يتوقف عند ما تحقق.
فالمرأة التي دخلت مجالات العلوم والهندسة والطب والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية، تتجه اليوم إلى مجالات المستقبل: الذكاء الاصطناعي، الفضاء، التكنولوجيا المتقدمة، البحث العلمي، ريادة الأعمال والصناعات الإبداعية.
وفي الجامعات الإماراتية، كما في المؤسسات العلمية والثقافية، تتسع مساحات حضورها، بما يعكس انتقالها من مرحلة إثبات القدرة إلى مرحلة صناعة المعرفة. وقد شهدت احتفالات هذا العام مبادرات تبرز حضور المرأة في الأكاديميا والبحث العلمي والابتكار والرياضة وريادة الأعمال والثقافة والفنون.
إنها امرأة لا تريد أن تكون فقط جزءاً من المستقبل، بل تريد أن تكون من الذين يرسمون ملامحه.
المرأة الإماراتية… قوة ناعمة لدولة صاعدة
لكن ثمة جانباً آخر لا يقل أهمية.
فالمرأة الإماراتية ليست قوة داخلية فقط، وإنما أصبحت أيضاً إحدى صور الإمارات في العالم.
في الدبلوماسية، والثقافة، والتعليم، والاقتصاد، والعمل الإنساني، أصبحت المرأة حاضرة في تعريف الآخرين بالإمارات وبصورتها وبقيمها.
وهنا تتحول قصة تمكين المرأة إلى جزء من القوة الناعمة للدولة.
فحين ترى العالم امرأة إماراتية تتحدث بثقة، تقود مؤسسة، تمثل بلدها، تعمل في مختبر، تدير مشروعاً، أو تصعد إلى الفضاء، فإن الصورة التي تصل ليست صورة امرأة فحسب، وإنما صورة مجتمع اختار أن يستثمر في نصف طاقته البشرية، وأن يمنحه الثقة والمساحة والمسؤولية.
ولهذا فإن نجاح المرأة الإماراتية لا يُقاس فقط بعدد المناصب التي وصلت إليها، بل بما أصبحت تمثله في الوعي الإماراتي والعربي والدولي.
من “التمكين” إلى “الثقة”
ربما كان أجمل ما في التجربة الإماراتية أن المرأة لم تُقدَّم بوصفها طرفاً يحتاج دائماً إلى من يدافع عنه.
لقد مُنحت الثقة.
والثقة، في نهاية المطاف، هي جوهر أي تمكين حقيقي.
فالإنسان الذي يشعر أن وطنه يثق بقدرته، يصبح أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية، وأكثر إيماناً بأن نجاحه الشخصي يمكن أن يتحول إلى قيمة عامة.
وهذا ما يجعل تجربة المرأة الإماراتية جديرة بالتأمل.
إنها لم تبنِ نجاحها في مواجهة الرجل، وإنما في شراكة معه.
ولم تُقدَّم باعتبارها منافسة للرجل على الوطن، وإنما شريكة له في خدمته.
وهذه الرؤية التشاركية كانت حاضرة في مسيرة الإمارات منذ عقود، وهي التي جعلت قضية المرأة جزءاً من مشروع التنمية الوطنية لا معركة اجتماعية بين طرفين. وقد أكدت “أم الإمارات” في كلمتها هذا العام أن المرأة هي قلب المجتمع وركيزة نهضته وشريكة فاعلة في صناعة المستقبل.
وراء كل إنجاز… قصة امرأة
وربما لا ينبغي أن ننظر إلى المرأة الإماراتية فقط من خلال الأسماء اللامعة والمناصب الكبرى.
فهناك امرأة أخرى لا تظهر كثيراً في الصور الرسمية، لكنها حاضرة في قلب الحكاية.
الأم التي شجعت ابنتها على الدراسة.
المعلمة التي صنعت جيلاً.
الطبيبة التي كرست سنواتها لخدمة المرضى.
المهندسة التي تعمل في مشروع لا يراه الناس.
الباحثة التي تقضي ساعات طويلة في المختبر.
الموظفة التي تبدأ يومها مبكراً وتعود إلى بيتها لتواصل مسؤولياتها.
رائدة الأعمال التي حولت فكرة صغيرة إلى مشروع.
والجدة التي تنقل إلى أحفادها حكايات المكان وقيمه.
كل هؤلاء هنّ المرأة الإماراتية.
فالنهضة لا تصنعها الأسماء وحدها، وإنما تصنعها آلاف القصص اليومية التي تتراكم حتى تصبح إنجازاً وطنياً.
“أم الإمارات”… امرأة جعلت من قضية المرأة رسالة
يصعب الحديث عن المرأة الإماراتية من دون التوقف عند الدور الذي لعبته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات” في مسيرة تمكين المرأة.
فمنذ عقود، ارتبط اسمها بتأسيس وترسيخ منظومة مؤسسية جعلت قضايا المرأة والأسرة والطفولة جزءاً من المشروع الوطني.
ولم تكن رؤيتها محصورة في تمكين المرأة مهنياً، وإنما قامت على تصور أكثر اتساعاً: امرأة متعلمة، واعية، منتجة، واثقة بنفسها، متمسكة بأسرتها ومجتمعها، وقادرة في الوقت نفسه على أن تكون شريكاً في صناعة القرار والتنمية.
ومن هنا اكتسب يوم المرأة الإماراتية معناه الخاص.
إنه ليس مناسبة لتعداد الإنجازات فحسب، بل لحظة وطنية لتجديد الإيمان بأن ما تحقق يمكن أن يكون قاعدة لما هو أكبر.
ولهذا يأتي شعار “بنظهر الأقوى والأفضل” بوصفه وعداً بالمستقبل أكثر مما هو احتفاء بالماضي.
الإمارات التي تنظر إلى الغد
في عالم يتغير بسرعة، لم يعد السؤال الحقيقي هو: ماذا حققت المرأة؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تستطيع أن تحقق غداً؟
وهنا تبدو الإجابة الإماراتية واضحة.
المستقبل يحتاج إلى المرأة العالمة، والمهندسة، والمبدعة، ورائدة الأعمال، والدبلوماسية، والقائدة، والمبرمجة، والطبيبة، والفنانة، والباحثة، وصاحبة الفكرة.
ويحتاج قبل كل شيء إلى امرأة تؤمن بأنها قادرة على أن تكون أفضل مما كانت عليه بالأمس.
وهذا تحديداً ما تختصره عبارة “بنظهر الأقوى والأفضل”.
إنها ليست مقارنة بين المرأة والرجل، ولا منافسة بين الماضي والحاضر.
إنها منافسة مع الذات.
أن تكون المرأة الإماراتية غداً أكثر علماً من اليوم، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على التأثير، وأكثر حضوراً في المجالات التي ستحدد شكل العالم المقبل.
يوم المرأة الإماراتية… احتفال بوطن آمن بقدرات نسائه
في الثامن والعشرين من أغسطس، لا تحتفل الإمارات بالمرأة فقط.
إنها تحتفل أيضاً بصورة من صور نجاح مشروعها الوطني.
فحين تتقدم المرأة، يتقدم المجتمع.
وحين تتعلم، تتسع آفاق الأسرة.
وحين تنجح في عملها، يزداد اقتصاد الوطن قوة.
وحين تدخل ميادين العلم والابتكار، يصبح المستقبل أكثر قدرة على المنافسة.
وحين تحمل ثقافة بلدها إلى العالم، تصبح جسراً من جسور التواصل والحوار.
لهذا فإن أجمل ما يمكن قوله في يوم المرأة الإماراتية هو أن الإمارات لم تجعل من المرأة عنواناً للاحتفال فقط، بل جعلت من نجاحها جزءاً من تعريفها لنفسها كدولة.
من امرأة الأمس التي حملت مع الأسرة مسؤولية الحياة في بيئة صعبة، إلى امرأة اليوم التي تقف في قلب مؤسسات الدولة ومشاريعها الكبرى، تمتد حكاية طويلة من العمل والثقة والطموح.
حكاية لم تصل إلى نهايتها.
فربما كان أجمل ما في هذا اليوم أن المرأة الإماراتية لا تحتفل فقط بما أصبحت عليه…
بل بما ستصبح عليه.
“بنظهر الأقوى والأفضل”.
وكأن الإمارات تقول لنسائها :
لقد وثقنا بكِ بالأمس، ورأينا ما صنعتِه اليوم، ولذلك فإننا نثق بكِ أكثر غداً.
وهكذا تصبح المرأة الإماراتية، في يومها، أكثر من نصف المجتمع.
إنها واحدة من أجمل قصص الإمارات عن وطنٍ آمن بأن المستقبل لا يُبنى بالموارد وحدها، وإنما بالعقول، وبالإرادة، وبالإنسان.
وبالمرأة التي اختارت أن تكون شريكة في صناعة الغد.
