تونس 19°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

إيران وسقوط آخر فرص المصالحة !.

بقلم أبوبكر الصغير.

لم يكن مستحيلا ، في لحظة ما ، من لحظات التاريخ القريب ، أن تُفتح صفحة جديدة بين العالم العربي وإيران .
بل كان الأمل في مصالحة تاريخية ، مصالحة مدفوعة بروابط الدين ، ووشائج الجوار ، وحسابات العقل التي تفرض التعاون بدل الصدام .
عواصم عربية مدّت يدها إلى طهران غير مرة ، بصدق الأخوة و وحدة الدين ، وبنية طيّ صفحة التوتر، رغم سجلّ مثقل بالجراح .
من حرب الثماني سنوات مع العراق، التي استنزفت المنطقة وأحرقت مقدراتها ، إلى سياسات التمدد التي تجسدت في دعم الميليشيات المسلحة و زرع الوكلاء ، وصولا إلى بسط النفوذ على عواصم عربية ( بغداد ، دمشق ، بيروت ، صنعاء الخ … ) .
ظلّ الأمل العربي قائما في أن تعود إيران إلى رشدها ، إلى منطق الدولة، لا منطق الثورة العابرة للحدود .
وحتى في أكثر اللحظات حساسية ، حين تعرّضت مواسم الحج لمحاولات تسييس وإفساد متعمد ، وحين طالت الاعتداءات البنى التحتية لدول عربية ، لم ينقطع خيط الصبر العربي.
بل إن العرب، و من المفارقة ، كانوا في طليعة من سعى إلى تجنيب إيران ويلات الحروب ، وحرصوا على تفويت الفرصة على عدو مشترك يتربص بالجميع ، وفي مقدمته إسرائيل .
كان الموقف العربي ، و كانت الرؤية العربية، في جوهرها ، قائمة على أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بإقصاء إيران و عزلها ، بل بإدماجها في منظومة تعاون تحترم سيادة الدول وتكفّ عن التدخل في شؤونها .
غير أن ما يحدث اليوم يكشف ، بمرارة ، أن تلك اليد الممدودة قوبلت بالغدر .
فبدل أن تختار طهران طريق التهدئة ، مضت في التصعيد ، غير عابئة بحرمة الدم ، ولا بحرمة الزمان .
حتى شهر رمضان، بما يحمله من قداسة في وجدان المسلمين ، لم يشفع لوقف آلة القتل والتدمير الإيرانية .
يستهدف الأبرياء ، وتُضرب البنى الأساسية التي تمثل شريان الحياة لشعوب عربية مسلمة ، وكأن القطيعة لم تعد مجرد خلاف سياسي ، بل صارت خيارا ايرانيا استراتيجيا .
إن الخسارة التي قد تتكبدها إيران هذه المرة لن تكون عابرة ، ولا شبيهة بما سبق .
إنها خسارة في الرصيد الأخلاقي قبل أن تكون في موازين القوة ، وخسارة في عمقها الإسلامي قبل بعدها السياسي . فلا دولة إسلامية و قفت بجانبها و انتصرت لسياساتها ، بل نجحت ان جعلت كل العالم ضدًها منددا بممارساتها .
فحين تُغلّب عقلية الهيمنة على منطق الشراكة ، وتُقدَّم الأوهام الإمبراطورية على حقائق الجغرافيا والتاريخ ، فإن النتيجة الحتمية تكون عزلة تتسع يوما بعد يوم.
لقد عرف التاريخ الإسلامي لحظات توتر كبرى ، وكان اغتيال الخليفة علي بن ابي طالب رضي الله عنه ، إحدى تلك اللحظات التي فتحت أبواب الفتنة .
لكن دروس التاريخ كانت دائما تدعو إلى رأب الصدع ، لا تعميقه ، وإلى تجاوز الأحقاد ، لا توريثها .
أما اليوم، فإن ما يُخشى هو أن تتكرس قطيعة جديدة ، أشد قسوة ، وأطول عمرا .
إنها لحظة مفصلية لايران : إما أن تعيد النظر في سياساتها و مسارها الحالي ، و تدرك أن الجوار العربي ليس ساحة نفوذ ، بل فضاء اخوة و تعاون و شراكة ، أو أن تمضي في طريق العزلة والصدام، حيث لا رابح في نهاية المطاف .
وفي كل الأحوال، فإن ما انكسر اليوم ليس مجرد توازنات سياسية ، بل ثقة كان من الممكن أن تؤسّس لمستقبل مختلف .
وربما، وهذا هو الأخطر، أن تكون صفحة الأخوة التي صمدت رغم كل شيء، قد طُويت إلى أجل غير معلوم !!.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية