تونس 19°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

بين الشعارات والواقع : ماذا قدمت إيران فعلاً للقضايا العربية؟.

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في الشرق الأوسط ، حيث تتداخل السياسة بالعواطف وتختلط الشعارات بالوقائع ، تبرز مفارقة لافتة في نظرة جزء من الشارع العربي إلى إيران .
فالكثيرون ما يزالون يرون فيها قوة تقاتل من أجل فلسطين أو نصيرا لقضايا العرب ، بينما تكشف قراءة هادئة للوقائع على الأرض صورة مختلفة تثير أسئلة جوهرية حول ما قدمته هذه السياسات فعليا للشعوب التي تقول إنها تدافع عنها.
فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، ظلت القضية الفلسطينية تتصدر الخطاب الإيراني بوصفها عنوانا مركزيا لمشروعه الإقليمي .
غير أن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هو : ماذا تغير فعلياً على الأرض؟.
فلسطين لم تتحرر، ولم تستعد شبرا واحدا من أراضيها بفعل هذه السياسة .
ما حدث في المقابل هو تدفق السلاح وتصاعد الخطاب التعبوي، بينما ظل الفلسطينيون يدفعون الكلفة الأكبر من دمائهم ومدنهم وبناهم التحتية.
فالسلاح، مهما بلغت قوته ، لا يكفي وحده لصناعة التحرير إذا لم يندرج ضمن مشروع سياسي وتنموي واضح يهدف إلى بناء دولة قادرة على الصمود.
المشهد ذاته يتكرر، بدرجات مختلفة، في لبنان .
فإيران التي تقدم نفسها حامية للشيعة في المنطقة لم تنجح خلال سنوات نفوذها الطويلة في تقديم نموذج تنموي يغير واقع هذه البيئة الاجتماعية. لم تقم مشاريع اقتصادية كبرى، ولم تبن قاعدة صناعية حقيقية، ولم تخلق منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج فرص عمل مستدامة.
في المقابل، توسعت ظاهرة عسكرة المجتمع، وانخرط آلاف الشباب في منطق الصراع الدائم ، بينما بقي الاقتصاد هشا ، والدولة غارقة في أزمات مالية واجتماعية خانقة . وهكذا يجد كثير من اللبنانيين أنفسهم أسرى معادلة صعبة : خطاب مقاومة مرتفع السقف يقابله واقع معيشي بالغ القسوة .
أما العراق، وهو أحد أغنى البلدان العربية بالموارد الطبيعية ، فكان يفترض أن يتحول بعد سقوط النظام السابق إلى ورشة نهوض اقتصادي هائلة .
لكن ما جرى خلال العقدين الأخيرين سار في اتجاه آخر : تراجع الخدمات الأساسية، تفشي الفساد، واستمرار الانقسامات المسلحة التي أضعفت الدولة والمجتمع معا .
ورغم الحضور الإيراني الواسع في العراق، فإن هذا النفوذ لم يتحول إلى مشروع بناء اقتصادي أو مؤسساتي يعيد للدولة قوتها، بل ارتبط في كثير من الأحيان بتكريس الانقسام وإدامة حالة الضعف السياسي .
والمفارقة اللافتة أن دول الخليج ، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت، فتحت في المقابل فضاءاتها الاقتصادية أمام مئات الآلاف من الإيرانيين الذين وجدوا فيها فرصا للعمل والاستثمار والعيش الكريم ، بعيدا عن الأزمات الاقتصادية التي يواجهها بلدهم .
وتزداد المفارقة إيلاما عندما تتعرض دول عربية أخرى للقصف أو للتهديد في سياق الصراعات الإقليمية، فتجد بعض الأصوات في الشارع العربي نفسها متعاطفة مع هذه العمليات باعتبارها جزءا من “ المواجهة مع إسرائيل ”.
غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية : أن هذه الدول العربية نفسها ، خصوصاً في الخليج ، هي التي فتحت أسواقها لملايين العرب، واستوعبت العمالة القادمة من البلدان التي دمرتها الحروب، وساهمت في دعم اقتصادات عربية عديدة عبر الاستثمارات والمساعدات.
لقد اختارت هذه الدول مسارا مختلفا يقوم على التنمية والاستقرار بدلا من الحروب المفتوحة .
فهي تراهن على بناء الاقتصاد، وتطوير التعليم، وتحسين مستوى حياة الإنسان باعتبارها الطريق الأكثر واقعية لتعزيز قوة المجتمعات العربية وحماية مصالحها على المدى الطويل.
وهنا تتجلى المشكلة الأعمق في جزء من الخطاب الشعبي العربي : هيمنة العاطفة على حساب التفكير الاستراتيجي . فالقضايا العادلة — وعلى رأسها القضية الفلسطينية ، تتحول أحيانا إلى شعارات تعبئة وجدانية ، بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية : أي السياسات تصنع فعلاً قوة عربية قادرة على الدفاع عن حقوقها؟.
إن دروس التاريخ الحديث واضحة في هذا السياق . فالمجتمعات التي تبني اقتصاداً قوياً وتعلي من شأن التعليم والمعرفة هي الأكثر قدرة على حماية سيادتها والتأثير في موازين القوى الدولية.
أما المجتمعات التي تستنزف طاقاتها في حروب لا تنتهي ، فإنها تتحول تدريجياً إلى كيانات هشة يسهل إخضاعها أو توظيفها في صراعات الآخرين.
لذلك ربما آن الأوان لكي يعيد الشارع العربي النظر في كثير من المسلمات .
فالدفاع الحقيقي عن القضايا العادلة لا يكون بتدمير الدول أو تحويل المجتمعات إلى ساحات صراع دائمة، بل ببناء الإنسان وتنمية الاقتصاد وتعزيز الاستقرار.
فالتنمية ليست ترفا سياسيا ، بل هي الشرط الأول لقيام قوة عربية حقيقية قادرة، في نهاية المطاف ، على إنصاف القضايا العالقة في المنطقة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية