-عواصم – عرب21:
شهدت العاصمة السيراليونية فريتاون، يوم الأحد، محطة مفصلية في مسار مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب، بعدما احتضنت قمة رؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو) مراسم التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي الذي يؤطر تطوير هذا المشروع الاستراتيجي، في خطوة تؤكد انتقاله من مرحلة التصور إلى مرحلة البناء المؤسساتي والتنفيذي.
ويعد أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة، إذ يمتد على مسافة تقارب 6800 كيلومتر، ليربط حقول الغاز النيجيرية بالمغرب، قبل اتصاله بشبكة الغاز الأوروبية عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي، بما يجعله جسراً طاقياً يربط إفريقيا بأوروبا.
ويكرس التوقيع الرسمي انضمام دول “سيدياو” إلى المشروع الذي أطلقه العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمدو بخاري، ويحظى اليوم بدعم متواصل من الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو. ويتولى تطوير المشروع كل من المكتب الوطني المغربي للهيدروكاربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للبترول المحدودة (NNPC Ltd)، في إطار شراكة استراتيجية تعكس الرهان المشترك على تعزيز الأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية في القارة.
ويمثل الاتفاق الموقع في فريتاون بداية مرحلة جديدة من المشروع، إذ ستنطلق الإجراءات المتعلقة بإحداث شركة المشروع، التي ستتخذ من مدينة الدار البيضاء مقراً لها، إلى جانب إنشاء الهيئة العليا لأنبوب الغاز، باعتبارها المؤسسة المكلفة بحوكمة المشروع، والتي سيحتضن مقرها العاصمة النيجيرية أبوجا. كما ستمهد هذه الخطوات الطريق أمام تعبئة المستثمرين والاستعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي، الذي يعد المنعطف الحاسم قبل انطلاق الأشغال الكبرى.
ومن المنتظر أن تستكمل هذه المرحلة بتوقيع اتفاق مماثل بين المغرب وموريتانيا، باعتبارهما خارج عضوية “سيدياو”، خلال مراسم منفصلة ستنظم لاحقاً بحضور الرئيس النيجيري.
وعند اكتماله، سيعبر الأنبوب ثلاث عشرة دولة إفريقية مطلة على الساحل الأطلسي، ناقلاً ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً. وسيتم توجيه نحو 15 مليار متر مكعب إلى المغرب والأسواق الأوروبية، فيما سيخصص الجزء المتبقي لتلبية احتياجات دول غرب إفريقيا، بما يسهم في تحسين أمنها الطاقي وتعزيز قدراتها الصناعية.
وتقدر الكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 25 مليار دولار، وهو لا يقتصر على نقل الغاز، بل يهدف إلى إنشاء سوق إقليمية متكاملة للطاقة، ودعم إنتاج الكهرباء، وتشجيع التصنيع، وتثمين الموارد الطبيعية الإفريقية، بما يرسخ التكامل الاقتصادي بين دول القارة. وتشير التقديرات إلى أن تشغيل الأشطر الأولى من المشروع قد يبدأ مع مطلع العقد المقبل.
ويرى مراقبون أن المشروع تجاوز اليوم كونه مبادرة ثنائية بين المغرب ونيجيريا، ليصبح مشروعاً قارياً يحظى بإجماع سياسي متزايد داخل غرب إفريقيا. ويعكس الدعم الرسمي الذي منحته قمة “سيدياو” للمشروع اقتناعاً متنامياً بأن الأمن الطاقي أصبح أحد أهم مرتكزات السيادة الاقتصادية والتنمية المشتركة، وأن الربط بين الدول الإفريقية عبر مشاريع استراتيجية كبرى يمثل خياراً عملياً لتعزيز الاندماج القاري.
كما أكدت الهيئتان المشرفتان على المشروع، المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للبترول، أن الدراسات التقنية والهندسية والبيئية الأساسية قد استكملت، الأمر الذي يسمح بالانتقال التدريجي إلى مرحلة التطوير العملياتي، بعد استكمال الإطار القانوني والمؤسساتي للمشروع.
ولا يقتصر الرهان على أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي على البعد الطاقي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشكل ممراً اقتصادياً وتنموياً يربط اقتصادات غرب إفريقيا بشمالها، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتجارة وخلق فرص العمل، بما يجعله أحد أبرز المشاريع القارية التي تراهن عليها إفريقيا لتعزيز تكاملها الاقتصادي ورفع تنافسيتها على الساحة الدولية.



