بقلم ا. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم تعد السلطة تُمارَس من أعلى، بل تُبَثّ من هواتفنا.
في العصر الرقمي، لم تعد مراكز النفوذ محصورة في الدولة أو المؤسسات التقليدية، بل نشأت منظومات تأثير جديدة تتسلل إلى وعينا اليومي عبر المنصّات، تعيد ترتيب الأولويات، وتحدد ما يستحق الانتباه وما يُدفع إلى الهامش، ليس عبر القرار، بل عبر “الترند”.
في هذا الفضاء، لم يعد معيار القيمة هو عمق الفكرة أو صدق الرسالة، بل عدد النقرات، وسرعة الاشتعال، وقابلية المحتوى للانتشار. هكذا أُزيح العقل جانبًا لصالح الإثارة، واستُبدل السؤال بالتفاعل، والمعنى بالانتشار. ولم يكن هذا التحوّل عابرًا، بل راكم مع الزمن أثرًا عميقًا على الوعي الجمعي، خصوصًا لدى الأجيال الصاعدة.
الترند، بوصفه سلطة غير معلنة، لا يقصي الأفكار عبر آليات القهر والتضييق، بل يغرقها في الضجيج. لا يفرض رأيًا واحدًا، بل يشتّت الانتباه إلى حدّ إفقاد العقل القدرة على التمييز. وهنا لا نكون أمام أزمة محتوى فحسب، بل أمام أزمة وعي، تُدار فيها الأولويات من خارج العقل، ويُعاد فيها تعريف المهم والهامشي وفق منطق الانتشار لا وفق معيار المعنى.
المشكلة، في جوهرها، لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الفراغ القيمي والتنظيمي الذي تُركت فيه. فحرية التعبير، حين تنفصل عن المسؤولية، تتحوّل إلى فوضى، وحين تُستعمل ذريعة لتبرير التضليل والعنف الرمزي وخطابات الكراهية، تفقد معناها التحرّري. في غياب الضوابط، يصبح المحتوى غير المسؤول قوة ناعمة شديدة التأثير، تُفرغ النقاش العام من مضمونه، وتُضعف المناعة الفكرية للمجتمع.
وفي قلب هذا التحوّل، يبرز الترفيه كأحد أكثر المفاهيم تعرضًا للتشويه. فالترفيه، في جوهره الإنساني، ليس نقيضًا للجدية، ولا مرادفًا للاستهلاك الفارغ، بل مساحة للإبداع، ورافعة للذوق العام، وتعبيرًا عن الرفاه الثقافي. لكن اختزاله في محتوى سريع وقابل للاستهلاك اللحظي، حوّله من أداة للإلهام إلى وسيلة لتسطيح الوعي، ومن فضاء للمتعة الذكية إلى آلية للإلهاء المستمر.
مثال حي على ذلك حملات “الترندات الفيروسية” التي تنتشر في دقائق، مثل تحديات مضحكة أو مقاطع ساخرة تتجاوز المليارات من المشاهدات، فتبدو الحياة فيها كوميدية وسطحية، بينما تُغلق الأبواب أمام النقاشات الجادة حول السياسة، الثقافة، أو حتى القضايا الاجتماعية الهامة. هذا الشكل من “الترفيه المفرغ من المعنى” لا يُقصي المعرفة فحسب، بل يُعيد تعريف المجال العام نفسه: السياسة تُقدَّم كعرض، والمعرفة تُختزل في مقاطع قصيرة، والنقاش يتحوّل إلى استقطاب حاد. وبهذا، لا يُخطف الوعي بالقوة، بل بالانسجام مع السطحية، حتى تبدو وكأنها قدر لا يُناقَش.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الدور المتعاظم لـعمالقة التكنولوجيا Google، Amazon، Meta، Apple، وX ،الذين لم يعودوا مزوّدين للخدمات فحسب، بل فاعلين مركزيين في تشكيل الرأي العام، وتوجيه الذوق، وإعادة تعريف ما يستحق الانتباه. هذا التحوّل يفرض على الدول والمجتمعات مقاربات واضحة تضمن الشفافية، وتحمي المستخدمين، وتحدُّ من سطوة المنطق التجاري حين يصطدم بالقيم الثقافية والإنسانية.
غير أن الرهان الحقيقي يظل على الإنسان وعلى ما يمتلكه من قدرات وامكانات ، لا بوصفه مستهلكًا سلبيًا، بل فاعلًا واعيًا. فإعلام المستقبل لا يُبنى بالتكنولوجيا وحدها، بل بعقلية تجمع بين الكفاءة الرقمية والالتزام الأخلاقي، بين الابتكار والوعي العميق بتأثير الكلمة والصورة.
أخطر ما في السلطة الرقمية ليس قدرتها على الانتشار، بل نجاحها في التكيف مع السطحية، حتى يصبح الانتباه موردًا تُديره الخوارزميات، ويغدو الوعي آخر ما يُؤخذ في الحسبان. الدفاع عن الوعي اليوم ليس موقفًا نخبويًا، ولا حنينًا إلى زمن سابق، بل فعل مسؤولية جماعية، يعيد الاعتبار للفكر النقدي، وللترفيه الذكي، وللكلمة التي ترى في الإنسان عقلًا لا مجرّد مستخدم.
في عالم تُبَثّ فيه السلطة من الشاشات، يبقى العقل المستقل هو حصننا الأخير.
كل ترند، كل صورة، كل فيديو، هو اختبار لصواب اختياراتنا، ولكيفية حفاظنا على عمقنا الإنساني وسط ضجيج السطحية. الوعي ليس رفاهية، بل مسؤولية؛ الحرية ليست مجرد كلمة، بل فعل مستمر يتطلب شجاعة كل يوم. فلنحرس انتباهنا كما نحرس حياتنا، ولنجعل كل نقرة وكل مشاركة فرصة لبناء فكر حر، لمجتمع واعٍ، ولمستقبل يكون فيه الإنسان سيد قراره، لا مجرد مستهلك للترفيه السريع أو ضحية للخوارزميات. فالأهم ليس أن نتصدر الترند ، بل أن نحمل وعيا حرا ، يزرع في العقول أسئلة لا تنطفئ ، ونورا لا يختفي مع ضجيج الترند الزائل .



