بقلم ا. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
ما جرى لا يمكن قراءته بوصفه حادثا عابرا أو خللا تقنيا طارئا يُطوى ببيان رسمي بارد يتحدث عن تماسٍ كهربائي أو انقطاع في الاتصال.
حين تسقط طائرة تقلّ رئيس أركان قوات حكومة الوحدة الوطنية الليبية ، الفريق أول محمد علي أحمد الحداد ، ومعه قيادات عسكرية وازنة ، في لحظة سياسية فارقة مشبعة بالتوتر والاصطفافات ، فإن الحدث يغادر فورا مجال الصدفة ويدخل قلب السياسة الصلبة ، تلك المنطقة التي لا تسقط فيها الطائرات اعتباطا ، ولا تجهض فيها مشاريع الدول بلا أثمان باهظة .
طائرة من طراز Dassault Falcon 50 أقلعت من أنقرة متجهة إلى طرابلس . بعد اثنتين وأربعين دقيقة فقط ، أُعلن عن عطل كهربائي ، تلاه طلب هبوط اضطراري ، ثم انقطع الاتصال نهائيا واختفت الطائرة من شاشات الرادار.
بعد ذلك، رُصدت ومضة انفجار في سماء جنوب أنقرة ، قبل أن يُعلن مقتل جميع من كانوا على متنها .
هذا التسلسل الزمني ، بما يحمله من فراغات وأسئلة معلقة ، لا يبدّد الشكوك ، بل يضاعفها ، خصوصا حين يكون الضحية شخصية عسكرية من وزن الحداد ، ومشروعه يتجاوز حدود المنصب إلى رهانات الدولة نفسها .
لم يكن محمد علي الحداد مجرد قائد في حكومة انتقالية ، بل كان في نظر كثيرين آخر تجليات فكرة الدولة الليبية الممكنة. مثّل محاولة نادرة لبناء مؤسسة عسكرية وطنية ، توحّد الجيش ، وتردم الهوة بين الشرق والغرب ، وتقلّص نفوذ الميليشيات ، وتفتح الطريق أمام استعادة السيادة ، وإنهاء زمن السلاح المنفلت والقرار المصادَر.
في ليبيا، كل من يقترب من فكرة الدولة يتحوّل تلقائيا إلى تهديد وجودي لأولئك الذين بنوا نفوذهم على الفوضى ، وراكموا مصالحهم على الانقسام ، وجعلوا من غياب الدولة موردا دائما للسلطة والمال.
غياب الحداد لا يبدو حدثا بلا مستفيدين . فقيام جيش ليبي موحّد، مستقل عن الوصايات ، لم يكن ليطمئن أطرافا إقليمية ودولية اعتادت التعامل مع ليبيا كساحة نفوذ لا كدولة ذات سيادة.
حتى التحالفات المعلنة لا تُخفي حقيقة أن مشروع الدولة، حين يقترب من الاكتمال، يطالب الجميع بدفع ثمنه، وأول هذا الثمن هو إنهاء الوجود العسكري الأجنبي ، وإعادة ترتيب موازين القوة خارج منطق الوكالة والوصاية.
أما في الداخل الليبي ، حيث تتصارع الشرعيات وتتنافس الطموحات على مفاصل المؤسسة العسكرية ، فقد كان الحداد خصما حقيقيا لمن لا يرون في الدولة سوى عائق أمام تمددهم.
مهما تكن الجهة التي خططت ، أو دبّرت ، أو اكتفت بالاستفادة ، فإن الحصيلة واحدة : الرابحون كُثُر ، وهم أولئك الذين يقتاتون على استمرار الانقسام ، أما الخاسر الأكبر فهو الشعب الليبي، الذي فقد شخصية كانت تحاول، وسط حقل ألغام سياسي وعسكري ، أن تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة . ومع سقوط تلك الطائرة التي لم تصل إلى طرابلس، تأجّل مرة أخرى ميلاد الدولة الليبية ، وبقي الوطن معلّقًا بين سماء الشك… وأرض الفوضى .


2 Comments
المنطقة العربية اليوم لها خيارين اما الاستسلام او الركوع الى اجندات اخرى
قرأت المقال بتمعن ، وفي حقيقة الأمر أنه تشخيص رائع في ما يخص صراع الإرادات الاقليمية وحرب المصالح ، يمنع بناء الدولة ، ويدعم الفوضى لأن ذلك يهيئ ارضية لتحقيق النفوذ والتحكم بخيوط النظام