بقلم: أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في السياسة ، ليست القرارات المتسرّعة وحدها ما يربك الدول ، بل الكلمات أيضا حين تُقال بلا وزن ولا ميزان .
فالكلمة التي تخرج من فم رئيس دولة لا تعود مجرّد جملة عابرة ، بل تتحوّل إلى موقف رسمي ، وإشارة دبلوماسية ، ومرآة تعكس صورة الدولة أمام العالم .
في هذا المقام ، تغدو اللغة جزءا من السيادة ، ويصبح ضبطها معيارا لهيبة الدولة ورصانة مؤسساتها .
فخطاب الرئيس ليس مساحة شخصية للتعبير ، ولا منبرا لتنفيس الانفعال ، بل هو صوت الوطن كلّه .
كل عبارة تُقال تُفكَّك في عواصم القرار ، ويُقرأ ما وراءها ، وتُبنى عليها تصوّرات عن طبيعة النظام ومستوى نضجه .
لذلك، تغدو الكلمة الصادرة عن رئيس دولة فعلا سياسيا كاملا ، قد يفتح الأبواب أو يغلقها ، يعزّز صورة الدولة أو يجرّها إلى مربّعات ضيقة من الجدل .
من هذا المنظور ، جاء وصف الرئيس الجزائري لدولة الإمارات بـ ” دويلة ” خارجا عن السياق الدبلوماسي الذي يحكم العلاقات بين الدول ، مهما بلغ حجم الخلافات .
فالتقليل اللفظي من شأن دولة ذات سيادة لا يُقرأ كصلابة سياسية ولا كحزم في الموقف ، بل يظهر كخطاب منفعل يفتقر إلى الاتزان .
مثل هذه العبارات لا تمسّ الدولة المعنية بقدر ما تُربك الدولة نفسها التي صدرت عنها ، لأنها تكشف تعثّرا في الانضباط الخطابي الذي يُفترض أن يميّز خطاب الرؤساء .
بالانتقال من اللغة إلى الواقع ، تبرز مقارنة موضوعية بين الجزائر والإمارات ، لا من باب المفاضلة الرغبوية ، بل لفهم الفرق بين منهجين في إدارة الدولة .
فالجزائر، بما تحمله من تاريخ نضالي مقاوم ورصيد رمزي كبير ، تمتلك موارد بشرية وطبيعية هائلة ، لكنها ما تزال أسيرة اقتصاد ريعي هشّ ، يعاني ضعف التنويع وتقلّبات السوق العالمية.
ونتيجة ذلك تراجع في مؤشرات التنمية ، وارتفاع في البطالة ، وغلاء في المعيشة، وضغط اجتماعي لا تخطئه العين .
في المقابل، اختارت الإمارات منذ عقود طريقًا آخر : اقتصادا متنوعا، استثمارا في المعرفة والتكنولوجيا ، بيئة جاذبة للكفاءات ، ورؤية طويلة المدى تُدار بعقل بارد وحساب دقيق .
فصارت خلال سنوات قليلة مركزا دوليا للأعمال والابتكار ، وواحدة من أكثر الاقتصادات حيوية في المنطقة ، لا بفضل موارد ضخمة ، بل بفضل إرادة سياسية تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه.
لم تتأخر النتائج في الظهور على مستوى المكانة الدولية .
فقد استطاعت الإمارات، بفضل هدوء خطابها واتزان دبلوماسيتها ، أن تفرض حضورا مؤثرا في الإقليم والعالم ، يُستمع إليه ويُحترم . لم تكن القوة في الحجم ، بل في الإنجاز والشبكات والشراكات الواسعة التي نسجتها من دون ضجيج .
أما الجزائر ، فعلى الرغم من ثقلها التاريخي وموقعها الجغرافي ، فقد حدّ الخطاب المتشنج أحيانا وانغلاق بعض خياراتها الاقتصادية من قدرتها على تحويل هذا الثقل إلى نفوذ فعّال على الساحة الدولية.
الفارق الجوهري بين التجربتين لا يكمن في الموارد ، بل في فلسفة الحكم نفسها :
بين من يرى في الكلمة أداة سيادية تُستخدم بوعي ضمن استراتيجية متكاملة لصناعة الصورة الدولية، وبين من يتعامل مع الخطاب كمساحة انفعالية للتوصيف والتشديد والتصعيد .
هنا يتأكد الدرس : الرئيس ليس خطيبا في مهرجان ، ولا قائدا في معركة كلامية ، بل هو عنوان الدولة وواجهة حضورها في العالم .
كل كلمة ينطق بها تُسجَّل وتبقى ، وقد تُكلف الدولة أثمانا أكبر بكثير من الخلاف نفسه.
هكذا، فإن هيبة الدول لا تُقاس بعلوّ الصوت ولا بحدّة العبارات ، بل بقدرتها على ضبط لغتها ، وإدارة خطابها ، وصناعة صورتها بعقلانية ومسؤولية .
فالكلمة في السياسة ليست تفصيلا … بل موقفا و سيادة.

