38°C تونس
24/08/2026
من الرياض إلى باريس .. السعودية لم تعد تحصيلا حاصلا.
أراء وأفكار

من الرياض إلى باريس .. السعودية لم تعد تحصيلا حاصلا.

أغسطس 24, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

ليست زيارة سمو ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى باريس مجرد محطة دبلوماسية جديدة في جدول العلاقات السعودية الفرنسية ، ولا مجرد لقاء بين دولتين مهمتين تجمعهما المصالح الاقتصادية والاستراتيجية .
فالمشهد الذي عاشته العاصمة الفرنسية يومي 23 و24 أغسطس يحمل دلالة أكبر : السعودية باتت حاضرة في دوائر القرار الكبرى، لا كدولة تُستدعى عند الحاجة ، بل كشريك كامل يُحسب له الف حساب في صناعة القرار الإقليمي والدولي .
وقد أعلنت الرئاسة الفرنسية أن مباحثات سمو الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون تناولت أزمات المنطقة، إلى جانب تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مع توقيع عدد كبير من الاتفاقيات.
لقد تغيرت صورة السعودية في العالم بصورة عميقة .
لم تعد المملكة، كما كانت تُختزل في بعض القراءات القديمة ، مجرد قوة نفطية تملك الثروة وتؤثر في أسواق الطاقة . السعودية اليوم تتحرك بثقة دولة تعرف وزنها ، وتدرك أن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تملكه ، وإنما بما تستطيع أن تصنعه بهذه الإمكانات .
ومن باريس ، إحدى عواصم القرار التاريخية في العالم، تبدو الرسالة أكثر وضوحا : الرياض لم تعد ” تحصيلا حاصلا ” في المعادلات الدولية، بل أصبحت جزءا كاملا من الحسابات التي تصوغ مستقبل المنطقة والعالم .
فحين يجلس سمو ولي العهد السعودي مع الرئيس الفرنسي لمناقشة ملفات تتجاوز العلاقات الثنائية إلى أزمات الشرق الأوسط والطاقة والأمن والاستثمار ، فإن ذلك يعكس انتقال العلاقة من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية .
كما أن الملفات التي تم النظر فيها خلال الزيارة شملت مجالات عسكرية واقتصادية وطاقة ونقلا وصحة ، بما يؤكد اتساع مساحة المصالح المشتركة بين البلدين.
لكن الأهم من الاتفاقيات والصفقات هو التحول في مكانة السعودية نفسها .
لقد أصبحت المملكة رقما صعبا في معادلات الأمن الإقليمي ، وفاعلا مهما مؤثراً في الاقتصاد العالمي ، وقوة استثمارية قادرة على صناعة الفرص ، ودولة تمتلك رؤية واضحة لما تريد أن تكون عليه خلال العقود المقبلة .
وهنا تكمن أهمية مشروع سمو الأمير محمد بن سلمان : تحويل القوة السعودية من ثروة كامنة إلى نفوذ فاعل، ومن اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد متعدد الأدوات، ومن حضور إقليمي تقليدي إلى تأثير واسع يمتد إلى السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة والرياضة والاستثمار .
حتى الرياضة والثقافة لم تعودا بالنسبة إلى السعودية مجرد مساحات للترفيه ، بل أصبحتا جزءا من القوة الناعمة للمملكة .
وفي دلالة رمزية لافتة ، تزامنت زيارة سمو الأمير محمد بن سلمان إلى باريس مع استضافة العاصمة الفرنسية للمرة الأولى خارج السعودية نهائي كأس العالم للرياضات الإلكترونية، بما عكس اتساع الشراكة بين البلدين إلى مجالات جديدة.
إن السعودية الجديدة لا تنتظر أن يمنحها الآخرون موقعا في الصفوف الأولى ، إنها تصنع موقعها بنفسها.
ولهذا فإن حضور سمو الأمير محمد بن سلمان في باريس ليس حضور مسؤول سعودي فحسب ، وإنما حضور دولة عربية استطاعت خلال سنوات قليلة أن تعيد تعريف موقعها في النظام الدولي .
السعودية اليوم تتحدث بلغة المصالح ، وتفاوض من موقع القوة ، وتفتح أبواب الشراكات ، وتستثمر في المستقبل ، وتبني نفوذا لا يقوم على المال وحده، بل على الرؤية والقدرة والقرار .
ومن حق العرب أن يروا في هذا التحول مصدر فخر واعتزاز .
فالسعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي واقتصادي وسياسي، ليست دولة عابرة في المشهد الدولي، بل واحدة من ركائز المنطقة.
إنها فخر أمة، وعزّها، ورمز هيبتها.
والأهم أن العالم نفسه بدأ يتعامل معها على هذا الأساس: لا كدولة تنتظر موقعها بين الكبار، وإنما كدولة أصبحت بالفعل داخل دائرة الكبار، تشارك في رسم الاتجاهات، وتفرض حضورها على طاولة القرار .
من الرياض إلى باريس، تتأكد الحقيقة يوماً بعد آخر : السعودية لم تعد تحصيلا حاصلا … بل أصبحت قوة قرار.
و سمو ولي العهد محمد بن سلمان لا يذهب إلى عواصم العالم ليبحث عن مكان للسعودية. بل يذهب والسعودية قد أصبحت بالفعل في المكانة التي تليق بثقلها وتاريخها وطموحه

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *