38°C تونس
14/09/2026
الحوثي .. مكاسب عابرة في مشروع إيراني مأزوم .
أراء وأفكار

الحوثي .. مكاسب عابرة في مشروع إيراني مأزوم .

سبتمبر 13, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يعد ما يجري في اليمن مجرد فصل آخر من فصول الحرب الطويلة ، ولا مجرد صراع على مدينة أو ميناء أو موقع عسكري .
فحين تتجه جماعة مسلحة إلى توسيع نفوذها في محيط المخا وباب المندب ، وتسعى إلى إحكام قبضتها على مواقع وجزر ذات قيمة استراتيجية ، فإن المسألة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية لتلامس أمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية ، بل وتعيد طرح السؤال الأكبر حول المشروع الإقليمي الذي تقف وراءه طهران .
فالذي يحاول الحوثيون فعله ليس مجرد توسيع رقعة نفوذهم داخل اليمن ، وإنما تحويل الموقع الجغرافي لهذا البلد إلى ورقة قوة في صراع إقليمي أوسع. وباب المندب ، في هذا الحساب ، ليس مجرد مضيق على الخريطة ، بل أحد الشرايين البحرية التي تربط الشرق بالغرب ، وتعبره التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية .
ومن ثم فإن وضع هذا الموقع تحت نفوذ جماعة مسلحة لا تخضع لقرار الدولة اليمنية يعني منح طرف غير حكومي قدرة استثنائية على تهديد الملاحة الدولية واستخدام الجغرافيا اليمنية في خدمة حسابات تتجاوز المصلحة الوطنية .
وهنا يتحمل الحوثيون مسؤولية مباشرة عن المسار الذي اختاروه .
فقد كان بإمكانهم أن يكونوا طرفًا في تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة ، لكنهم اختاروا منطق القوة ، وراكموا السلاح والنفوذ، ووسعوا دائرة المواجهة إلى خارج الحدود . وعندما تتحول المملكة العربية السعودية إلى هدف دائم لتهديداتهم ، فإن القضية لا تعود خلافًا يمنيًا داخليًا ، بل تصبح اعتداءً على دولة خليجية محورية ومحاولة لفرض معادلة أمنية جديدة على المنطقة .
غير أن فهم الظاهرة الحوثية يظل ناقصًا إذا عُزلت عن إيران .
فالجماعة تمثل إحدى الأدوات التي اعتمدت عليها طهران لبناء مجال نفوذ إقليمي يقوم ، في جانب منه ، على توظيف الجماعات المسلحة الحليفة وتوزيع أدوات الضغط على أكثر من ساحة .
وفي هذه المعادلة لا تكون الميليشيا غاية في ذاتها ، وإنما أداة لإبقاء الخصوم تحت الضغط ، واستنزافهم ، وفتح جبهات متعددة بأقل كلفة مباشرة على الدولة الراعية .
وما يزيد المشهد خطورة أن التهديدات التي تواجه المملكة لا تأتي من جبهة واحدة . فإلى جانب الاعتداءات الحوثية، تبرز مخاطر مرتبطة بأراضٍ عراقية ، بما يكشف عن نمط يقوم على تعدد الأدوات وتوزيع ساحات المواجهة. وهنا لا تعود القضية مجرد مواجهة بين دول وجماعات مسلحة، وإنما تصبح أزمة حقيقية في مفهوم الدولة العربية وسيادتها .
فماذا يعني أن تتحول أراضي دولة عربية إلى منصة تستخدمها جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بقوة إقليمية لتهديد دولة عربية أخرى؟ .
يعني ببساطة أن السيادة تصبح منقوصة ، وأن قرار الحرب والسلم لا يعود حكرًا على الدولة ، وأن الحدود الوطنية تتحول إلى مساحات مفتوحة أمام مشاريع الآخرين .
وهذا أخطر من مجرد هجوم عابر، لأن الدولة التي تفقد احتكارها للسلاح والقرار الأمني تجد نفسها عاجزة عن حماية علاقاتها ومصالحها حتى مع أقرب جيرانها .
ومن هنا فإن العراق أمام اختبار حقيقي لسيادته .
فمسؤولية بغداد لا تقتصر على حماية أراضيها ، وإنما تشمل أيضًا منع استخدام تلك الأراضي للإضرار بجيرانها أو تهديد أمن المنطقة .
والعلاقة بين العراق ودول الخليج أكبر من أن تُترك رهينة حسابات جماعات مسلحة أو أجندات خارجية .
فاستقلال القرار العراقي لا يكتمل ما دامت قوى خارج إطار الدولة قادرة على تحويل الأراضي العراقية إلى مصدر تهديد لجيران العراق .
أما المملكة العربية السعودية، فهي تتعامل مع هذه التهديدات من موقع دولة تدرك مسؤوليتها الإقليمية ، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن ضبط النفس لا يعني التنازل عن الحق في الدفاع عن أمنها .
فحماية المواطنين والمنشآت والمصالح الوطنية ليست خيارًا تفاوضيًا ، وإنما حق سيادي أصيل، ولا يمكن مطالبة دولة بأن تقبل إلى ما لا نهاية باستهداف أمنها ثم يُطلب منها أن تعتبر ذلك مجرد جزء من صراعات المنطقة .
والخطر، في النهاية، لا يخص السعودية وحدها .
فأمن دول مجلس التعاون الخليجي منظومة مترابطة ، وأي محاولة لفرض النفوذ بالقوة على دولة خليجية يمكن أن تتحول، إذا لم تواجه ، إلى سابقة قابلة للتكرار .
ولذلك فإن التعامل مع التهديد الحوثي والإيراني يحتاج إلى رؤية خليجية وإقليمية أكثر تكاملا ، لا تكتفي بإطفاء الحرائق بعد اندلاعها ، بل تعمل على منع تحويل المنطقة إلى ساحات دائمة للحرب بالوكالة.
ثم هناك باب المندب، الذي يجعل القضية تتجاوز حدود الإقليم.
فكل اضطراب في الملاحة البحرية ينعكس سريعًا على كلفة النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد، ويضع الاقتصاد العالمي أمام فاتورة جديدة لا علاقة لشعوبه بصراعات اليمن أو الحسابات الإيرانية. وما يحدث في البحر الأحمر يمكن أن يصل أثره إلى الموانئ والأسواق والمصانع في قارات بعيدة .
ولهذا فإن المجتمع الدولي معني بما يجري، ليس تضامنًا مع دول الخليج فحسب ، وإنما دفاعًا عن مصالحه المباشرة .
فالممرات البحرية الدولية لا يمكن أن تتحول إلى رهينة لجماعات مسلحة ، ولا يجوز أن تصبح حركة التجارة والطاقة العالمية جزءًا من لعبة النفوذ الإقليمي.
وقد يحقق الحوثيون مكسبًا ميدانيًا هنا أو يفرضون سيطرة مؤقتة هناك ، لكن المكسب العسكري لا يعني بالضرورة انتصارا استراتيجيا. فالجماعات المسلحة قد تكسب موقعًا ، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويل السيطرة بالقوة إلى شرعية دائمة ، ولا تحويل السلاح إلى دولة، ولا تحويل النفوذ المفروض إلى استقرار .
بل إن استمرار الارتهان لمشروع إقليمي يضع اليمن نفسه أمام كلفة متزايدة. فكلما ارتبط الحوثيون بأجندة تتجاوز الحدود اليمنية ، ازدادت عزلة البلاد، وتعقدت فرص التسوية، واتسعت الفجوة بين اليمن الذي يحتاج إلى السلام والتنمية، واليمن الذي يُراد له أن يبقى ساحة مفتوحة للصراع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى : قد يبدو الحوثي قويًا كلما اتسعت رقعة نفوذه ، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن عمق مأزق المشروع الذي يستند إليه. فإيران تستطيع أن تدير صراعاتها عبر الوكلاء ، وأن تنقل الضغط من ساحة إلى أخرى، و لكنها لا تستطيع أن تمنح وكلاءها إلى الأبد القدرة على تغيير موازين المنطقة لمصلحتها. فالقوة التي تُبنى على الاستنزاف والفوضى قد تطيل عمر الصراع، لكنها لا تصنع استقرارًا ولا تنتج نظامًا إقليميًا مستدامًا .
المعضلة الحقيقية إذن ليست في مساحة يسيطر عليها الحوثي، ولا في جزيرة أو ميناء يمكن أن يتغير وضعه بتغير موازين القوة، وإنما في المشروع الذي يريد تحويل اليمن إلى نقطة ارتكاز على البحر الأحمر، وتحويل الوكلاء في المنطقة إلى شبكة ضغط تمتد من ساحة إلى أخرى .
وهذا المشروع، مهما بدا قادرًا على المناورة، يصطدم بحقيقة أكبر منه : المنطقة لم تعد تقبل بسهولة أن تُدار أمنياتها ومصالحها بواسطة الميليشيات، وأن تتحول دولها إلى ساحات نفوذ بالوكالة.
قد يستطيع الحوثي إطالة الحرب، وقد تحقق إيران عبره مكاسب تكتيكية، لكن المكاسب التكتيكية لا تصنع انتصارًا تاريخيًا.
فأمن الخليج ليس فراغًا يمكن ملؤه بالميليشيات ، وباب المندب ليس ملكًا لجماعة مسلحة، واليمن ليس مجرد ورقة في دفتر الحسابات الإيرانية.
وفي النهاية، فإن أي مشروع يقوم على تحويل دولة عربية إلى منصة لتهديد جيرانها والملاحة الدولية قد ينجح في صناعة الأزمات ، لكنه لن ينجح في صناعة مستقبل مستقر . وما يبدو اليوم تمددًا للقوة قد يتحول غدًا إلى عبء على أصحابه ، لأن النفوذ الذي يُبنى على الخوف والسلاح يبقى نفوذًا هشا، أما النفوذ الذي يصنع المستقبل فلا يقوم إلا على الدولة والاستقرار والتنمية والشرعية .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *