حين يصمت الكلام… ويتكلم الصمت !.
بقلم – ابوبكر الصغير .
يحتاج الإنسان إلى عامين ليتعلم الكلام ، وإلى عمر كامل ليتعلم الصمت.
قال سقراط: ” تكلم حتى أراك .. “، وقال الإمام علي بن أبي طالب : ” الرجال صناديق مغلقة، مفاتيحها الكلام” .
وبين الكلام والصمت تمتد مساحة واسعة من التجربة الإنسانية ، مساحة لا يكون فيها الصمت مجرد غياب للصوت ، بل لغة أخرى ، قد تقول أحيانا أكثر مما تقوله الكلمات .
كبرنا ونحن نسمع عن أشياء تشبه المستحيل : رئيس منظمة يناضل وهو صامت، وسبّاح يحقق الأرقام القياسية وهو نائم ! ولعل المفارقة أن بعض الأفعال لا يمكن أن تتحقق إلا بالكلام ، وبعض المواقف لا يمكن الدفاع عنها بالصمت .
ففي البكم يضيع أحيانًا الحق الواضح ، ويصبح الصمت ، بدل أن يكون حكمة ، ستارًا يخفي العجز .
الصمت ليس دائمًا غيابًا للكلام ، بل قد يكون كلامًا من نوع آخر.
قد يكون حكمة حين يكون الكلام عبثا ، وقد يكون قوة حين يكون الرد على الإساءة مزيدا من الإساءة ، لكنه قد يصبح أيضا ترددا، أو خوفا، أو تهربا من تحمل المسؤولية .
ولذلك ليس للصمت معنى واحد . فصمت الإنسان في لحظة تأمل يختلف عن صمته أمام الظلم ، وصمته احترامًا للآخر يختلف عن صمته خوفا من المواجهة ، وصمته حين لا يملك جوابا يختلف تمامًا عن صمته وهو يملك الجواب لكنه لا يريد قوله .
حتى في القانون، قد يُفهم الصمت ، في بعض السياقات ، على أنه قبول أو عدم اعتراض ، بينما قد يكون في سياقات أخرى رفضا صامتا أو تحفظا لا يريد صاحبه تحويله إلى مواجهة معلنة .
المعنى إذن لا يسكن الصمت وحده ، وإنما تصنعه الظروف التي تحيط به .
والأخطر أن الصمت قد يتحول من اختيار إلى موقف ، ومن موقف إلى مسؤولية ، ومن المسؤولية إلى عبء .
وهذا بالضبط ما يجعل صمت بعض الأطراف ، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمنظمة وطنية ذات وزن تاريخي، أمرًا يستحق التوقف عنده .
وإذا كان الصمت في بعض اللحظات حكمة ، فإنه في لحظات أخرى يصبح أسهل الحلول .
والحل الأسهل ليس دائمًا الحل الوطني .
فالكلام مسؤولية، نعم، لكن الصمت مسؤولية أيضًا .
وأحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، لكنه في أحيان أخرى يكون هروبًا من الكلام الذي يجب أن يُقال .
أما أنا شخصيا ، فقد تعلمت لغة الصمت منذ زمن.
تعلمتها حتى لا أعاتب ، وحتى لا أكرر في مرارة ما ظل يثقل القلب : خذلتمونا.
ولعل الصمت، في النهاية ، ليس دائمًا علامة قوة.
فقد يصمت القوي لأنه لا يريد أن يجرح، ويصمت الحكيم لأنه يعرف أن بعض الكلام لا يستحق أن يُقال ، ويصمت المظلوم لأنه تعب من الشرح.
لكن هناك صمتًا آخر…
صمت من يعرف الحقيقة ، ويملك القدرة على قولها، ثم يختار ألا يقولها.
وهذا هو الصمت الذي لا ينقذ أحدا.
بل قد يصبح يوما شهادة على ما كان ينبغي أن يُقال ولم يُقل .
