السعودية .. حين يصبح أمن المملكة خطا أحمر .
بقلم – ابوبكر الصغير .
ليست المملكة العربية السعودية دولة تبحث عن المواجهة ، ولا دولة تستدرجها الاستفزازات إلى ردود فعل متسرعة .
لكنها ، في المقابل، ليست دولة يمكن أن تُختبر سيادتها أو تُستهدف منشآتها الحيوية ثم يُطلب منها أن تتعامل مع الأمر وكأنه حادث عابر .
إن استهداف خط أنابيب ” شرق–غرب ” بمسيّرات قادمة من الأراضي العراقية ، وما ترتب عنه من أضرار وإصابات ، يمثل تطورا خطيرا يتجاوز في دلالاته حدود الاعتداء على منشأة نفطية .
فالأمر يتعلق بأمن المملكة وسيادتها ، وبمنشأة استراتيجية تمثل أحد أهم شرايين نقل الطاقة في البلاد ، وتؤدي دورا محوريا في تأمين صادرات النفط بعيدا عن مضيق هرمز .
ومن هنا ، فإن التضامن مع المملكة العربية السعودية ليس موقفا عاطفيا عابرا ، بل هو موقف مبدئي واضح : الاعتداء على أمن المملكة واستهداف منشآتها الحيوية أمر مرفوض ، أيا كان مصدره أو الجهة التي تقف وراءه ، وأيا كانت الذرائع التي يمكن أن تُساق لتبريره .
واللافت في الموقف السعودي أن الرياض، رغم خطورة الاعتداء ، اختارت في هذه المرحلة أن تمنح الحكومة العراقية فرصة للتحرك ، استجابة لطلب رئيس الوزراء العراقي ، وحرصا على عدم توسيع دائرة التصعيد في المنطقة .
وهذه ليست علامة ضعف كما قد يتوهم البعض، بل تعكس حكمة ، و ثقة دولة تعرف وزنها وقدرتها ، وتدرك أن القوة الحقيقية ليست في سرعة إطلاق النار ، وإنما في القدرة على ضبط القرار واختيار التوقيت المناسب .
لقد قالت المملكة بوضوح إنها تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها .
وهذه الرسالة تكفي وحدها لفهم طبيعة الموقف السعودي : باب الدبلوماسية لم يُغلق ، لكن باب حماية الأمن الوطني ليس مفتوحا أمام العبث .
أما العراق ، فإن مسؤوليته اليوم أكبر من مجرد إصدار بيانات الإدانة أو فتح التحقيقات. فالأراضي العراقية يجب ألا تتحول إلى منصة لاستهداف دولة عربية شقيقة ، وأمن العراق نفسه يقتضي ألا تسمح مؤسساته لأي جهة باستخدام أراضيه لتصدير الصواريخ أو المسيّرات و نشر الفوضى إلى دول الجوار .
إن المملكة العربية السعودية تمثل اليوم ثقلا سياسيا واقتصاديا وأمنيا لا يمكن التعامل معه بمنطق الاختبار أو المغامرة .
ومن يستهدف منشآتها الحيوية عليه أن يدرك أن المنطقة ليست فراغا أمنيا ، وأن أمن الطاقة ليس هدفا مشروعا لأي مغامرة ، وأن استقرار المملكة جزء أساسي من استقرار الخليج والمنطقة والاقتصاد العالمي .
مع المملكة العربية السعودية في حقها المشروع في الدفاع عن أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها ومنشآتها ومواطنيها . خاصة و ان الموقف السعودي الهادئ والمسؤول فرصة لاحتواء التصعيد ، وأن تتحمل الحكومة العراقية مسؤوليتها كاملة في منع تكرار مثل هذه الاعتداءات .
لكن الهدوء السعودي لا ينبغي أن يُقرأ خطأ.
فالمملكة التي تختار الدبلوماسية عندما تكون الدبلوماسية ممكنة، تعرف أيضا كيف تحمي أمنها عندما تصبح حماية الأمن واجبا لا يحتمل التأجيل.
السعودية لا تبحث عن الحرب، لكنها أيضا لا تقبل أن تكون ساحة مفتوحة للاختبار.
وأمن المملكة خط أحمر .
