إيران بعد النظام .. هل تبدأ المنطقة مرحلة جديدة ؟ .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم يعد السؤال الأكثر إلحاحا في المشهد الإيراني هو : هل يستطيع النظام أن يبقى ؟ بل أصبح السؤال الأهم : ماذا سيحدث لإيران والمنطقة إذا انتهى هذا النظام ، وماذا يمكن أن تولد من رحم نهايته ؟ .
فبعد أكثر من أربعة عقود ، لم يعد النظام الإيراني مجرد سلطة تحكم دولة كبيرة ، وإنما أصبح مشروعا سياسيا وعقائديا بنى جزءا من شرعيته على الصراع ، ووسّع نفوذه عبر الأذرع المسلحة ، وحوّل الأزمات الإقليمية إلى أدوات للضغط والمساومة ، وجعل العداء مع الخارج جزءا من معادلة الداخل .
ولهذا فإن أزمة إيران ليست أزمة حكومة أو رئيس أو سياسة عابرة ، وإنما أزمة نموذج . فالمشكلة لا تكمن فقط في القرارات التي اتخذها النظام ، بل في الطريقة التي صاغ بها علاقته بشعبه وجيرانه والعالم .
لقد قامت استراتيجية الجمهورية الإسلامية، طوال سنوات طويلة ، على بناء نفوذ يتجاوز حدود الدولة : ميليشيات وأذرع مسلحة ، ساحات نفوذ ، شبكات سياسية وأمنية ، واستثمار مستمر في هشاشة المنطقة وانقساماتها .
وبذلك تحولت إيران من دولة ذات وزن تاريخي وجغرافي طبيعي إلى دولة تتعامل مع محيطها وكأنه مجال مفتوح للصراع والنفوذ .
لكن التاريخ أثبت أن القوة التي تُبنى على الأزمات لا تستطيع أن تضمن الاستقرار إلى الأبد .
فالمنطقة دفعت ثمنا باهظا لهذا النموذج : حروب وانقسامات ، تهديدات لأمن دول عربية ، اضطراب في طرق التجارة والطاقة ، واستنزاف مستمر للموارد .
وفي المقابل ، كان المواطن الإيراني نفسه يدفع جزءا من الفاتورة ، من خلال اقتصاد مثقل بالعقوبات والأزمات ، وفرص ضائعة ، وهجرة متزايدة للكفاءات ، وتراجع في القدرة على تحويل الإمكانات الهائلة للبلاد إلى رفاه حقيقي لملايين الإيرانيين .
وهنا تظهر المفارقة الكبرى : دولة تمتلك تاريخا وحضارة وموارد بشرية وطبيعية وموقعا جغرافيا استثنائيا ، لكنها استنزفت جزءا مهما من طاقتها في معارك خارج حدودها ، وكأن ازدهار الداخل أصبح مؤجلا إلى أجل غير معلوم .
والأخطر أن النظام عندما يشعر بأن دائرة نفوذه تضيق ، قد لا يلجأ بالضرورة إلى التراجع ، وإنما إلى مزيد من التصعيد .
فالتاريخ السياسي مليء بأنظمة تحاول تعويض خسائرها الخارجية بمغامرات جديدة ، أو تحويل الأزمات الخارجية إلى وسيلة لإعادة شدّ عصب الداخل .
لكن المنطقة تغيّرت.
وما كان ممكنا قبل سنوات لم يعد بالضرورة ممكنا اليوم . توازنات القوة تغيرت ، والدول العربية أصبحت أكثر قدرة على حماية أمنها ومصالحها ، والعالم لم يعد مستعدا لدفع الكلفة نفسها مقابل استمرار سياسات تقوم على الابتزاز والتهديد وفتح الجبهات .
ومن هنا ، فإن انتهاء النظام الإيراني الحالي ــ إذا حدث ــ لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره سقوطاً لإيران .
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الصخب السياسي .
إيران ليست الجمهورية الإسلامية وحدها، والشعب الإيراني ليس النظام، والتاريخ الإيراني أقدم بكثير من عام 1979.
هناك دولة عريقة ، وشعب كبير ، وثقافة عميقة ، وحضارة تركت بصمتها في تاريخ المنطقة والعالم .
ولذلك فإن الفصل بين إيران كدولة وحضارة، وبين النظام الذي حكمها طوال العقود الماضية، قد يكون أهم مفاتيح فهم المرحلة المقبلة.
إن سقوط نظام سياسي لا يعني سقوط دولة، بل قد يكون أحياناً فرصة لإنقاذ الدولة من النموذج الذي استنزفها .
ومن هنا ، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط : كيف ينتهي النظام ؟ وإنما : ماذا يأتي بعده؟
فإذا جاءت مرحلة جديدة بدولة إيرانية أكثر وطنية ، وأكثر انفتاحا على العالم ، وأقل اعتمادا على الأذرع المسلحة ، وأكثر احتراما لسيادة جيرانها ، فإن التحول لن يكون شأنا إيرانيا داخليا فحسب ، بل قد يكون نقطة انعطاف في تاريخ الشرق الأوسط .
إيران لا تحتاج إلى أن تكون ضعيفة حتى تكون مسالمة ، ولا تحتاج إلى أن تتخلى عن وزنها الإقليمي حتى تكون دولة طبيعية . المطلوب هو أن تتحول قوتها من أدوات صراع إلى أدوات بناء ، من تمويل ساحات النفوذ إلى الاستثمار في الإنسان ، ومن تصدير الأزمات إلى تصدير المعرفة والثقافة والاقتصاد .
فالمنطقة لا تحتاج إلى إيران منهارة ، وإنما إلى إيران قوية بدولتها واقتصادها وشعبها ، لا بقوة أذرعها خارج الحدود .
تحتاج إلى إيران مؤثرة بحضارتها، لا بقدرتها على إنتاج الأزمات .
تحتاج إلى إيران تحترم جيرانها ويحترمها جيرانها ، لا إيران تعيش في مواجهة دائمة معهم .
وقد تكون هذه هي المفارقة التي لم يدركها النظام طويلا : أن أكبر خدمة يمكن أن تقدمها إيران لنفسها وللمنطقة ليست في توسيع نفوذها خارج حدودها ، وإنما في بناء دولة قوية من الداخل.
فكلفة استمرار النموذج الحالي لم تعد تقتصر على العقوبات والعزلة .
إنها تشمل استنزاف الاقتصاد ، وتآكل الثقة ، وتفاقم التوتر الإقليمي ، وتبديد الموارد ، وتعميق المخاطر التي تهدد الممرات الحيوية والتجارة والطاقة ، وإبقاء الشرق الأوسط في دائرة مفتوحة من المواجهات .
أما التغيير، مهما كانت كلفته وصعوبته، فقد يفتح الباب أمام تسوية تاريخية مع المحيط، ويمنح إيران فرصة لاستعادة موقعها الطبيعي كقوة إقليمية كبرى ، ولكن من بوابة الاقتصاد والدبلوماسية والثقافة والتنمية ، لا من بوابة الصواريخ والميليشيات والجبهات المفتوحة .
لقد أثبتت التجارب أن الأنظمة تستطيع أن تؤجل أزماتها بالقوة ، لكنها لا تستطيع إلغاء حقائق التاريخ والجغرافيا والاقتصاد .
وقد ينجح النظام في تأخير لحظة التغيير ، لكنه لا يستطيع بالضرورة منعها عندما تصبح كلفة الجمود أكبر من كلفة التحول .
ولهذا، فإن ” إيران بعد النظام ” قد تكون أخطر وأهم من السؤال عن النظام نفسه .
فإذا كان ما بعد 1979 قد صنع إيران التي عرفناها طوال العقود الماضية ، فإن ما بعد هذا النظام ــ إن جاءت لحظته ــ يمكن أن يصنع إيران أخرى .
إيران لا تتخلى عن قوتها ، بل تعيد تعريفها .
وإيران لا تنسحب من المنطقة ، بل تعود إليها كدولة طبيعية .
وإيران لا تفقد دورها ، بل تستعيده من بوابة أكثر استدامة : التنمية ، والاقتصاد ، والدبلوماسية ، والثقافة ، وحسن الجوار .
عندها فقط لن يكون سقوط النظام نهاية إيران ، وإنما ربما يكون بداية إيران التي تأخرت كثيرا .
وبقدر ما سيكون ذلك تحولا إيرانيا ، سيكون أيضا بداية لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط ، مرحلة لا تقوم على الخوف المتبادل وتصدير الأزمات ، وإنما على دول قوية ، وسيادات محترمة ، ومصالح مشتركة .
فالسؤال في النهاية ليس : ماذا سيحدث للنظام؟ .
بل : ماذا ستفعل إيران عندما تتحرر من النظام الذي اختصرها في صورته ؟.
هناك فقط قد يبدأ التاريخ الإيراني من جديد.
