38°C تونس
08/09/2026
من سيفوز بسباق الذكاء الاصطناعي؟.المعركة لم تعد على أفضل آلة .
الافتتاحية

من سيفوز بسباق الذكاء الاصطناعي؟.المعركة لم تعد على أفضل آلة .

سبتمبر 8, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مجرد منافسة على امتلاك أكبر عدد من الرقائق ، أو بناء أضخم مراكز البيانات ، أو تدريب أكثر النماذج قدرة على معالجة المعلومات .
لقد دخل السباق مرحلة مختلفة تماما ، أصبحت فيها القوة تقاس بمدى القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى نفوذ اقتصادي ، وتفوق صناعي ، وأداة استراتيجية تعيد رسم موازين القوة العالمية .
قبل أشهر فقط ، كان التفوق الأميركي يبدو شبه محسوم .
فالولايات المتحدة تجمع في يدها معظم عناصر القوة : شركات التكنولوجيا العملاقة ، والرقائق المتقدمة ، ورأس المال ، والجامعات ومراكز الأبحاث ، والبنية التحتية الحاسوبية ، وقدرة استثنائية على تحويل الابتكار العلمي إلى منتجات تنتشر عالميا .
لكن قواعد اللعبة بدأت تتغير .
الصين ، التي تواجه قيودا على الوصول إلى أحدث الشرائح الأميركية ، لم تنسحب من السباق ، بل اختارت أن تخوضه بطريقة مختلفة .
فبدل محاولة مجاراة الولايات المتحدة في القوة الحاسوبية وحدها ، اتجهت إلى رفع كفاءة النماذج ، وتسريع التطوير ، وتوسيع نطاق الاستخدام ، ودفع نماذج مفتوحة إلى أسواق ومجتمعات المطورين حول العالم .
وهنا تبرز قاعدة جديدة في سباق التكنولوجيا : ليس بالضرورة أن يفوز من يمتلك أقوى تقنية ، بل قد يفوز من يجعل تقنيته الأكثر انتشارًا وتأثيرًا .
فالذكاء الاصطناعي لم يعد قضية مختبرات وشركات تكنولوجيا فقط .
إنه يتحول تدريجيًا إلى منظومة اقتصادية متكاملة ، تتداخل فيها صناعة الرقائق ، ومراكز البيانات ، والحوسبة السحابية ، والطاقة ، وشركات التكنولوجيا ، والأسواق المالية ، والمستثمرون .
بل إن القدرة الحاسوبية نفسها بدأت تتحول إلى أصل اقتصادي يمكن تمويله وتأجيره والاستثمار فيه .
ومن هنا يظهر سؤال أكثر تعقيدا : هل نحن أمام فقاعة استثمارية ضخمة ، أم أمام ولادة البنية التحتية لصناعة قد تصبح الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة ؟.
ربما يكون الجواب : الأمران معا.
فالمبالغة في تقييم بعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تعني أن التكنولوجيا نفسها مبالغ في أهميتها .
لقد رافقت المضاربات والاستثمارات المفرطة معظم الثورات التكنولوجية الكبرى ، قبل أن تستقر تلك التقنيات وتتحول إلى بنى أساسية لا غنى عنها .
وإذا تكرر السيناريو مع الذكاء الاصطناعي ، فلن يبقى مجرد برنامج تستخدمه الشركات ، بل سيتحول إلى جزء من بنيتها الإنتاجية ، تمامًا كما أصبحت الكهرباء والاتصالات والحوسبة السحابية عناصر أساسية في الاقتصاد الحديث .
لكن التحول الأكثر حساسية لا يتعلق بحجم الأموال التي ستُضخ في هذا القطاع ، وإنما بالقدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه .
حتى الآن، لا يزال الإنسان هو الذي يصمم النماذج ، ويختبرها ، ويبحث عن طرق لتحسين أدائها .
لكن ماذا يحدث إذا أصبحت هذه النماذج قادرة على المساهمة بصورة متزايدة في تطوير أجيال جديدة من الذكاء الاصطناعي ؟.
عندها سيتغير السباق جذريا .
لن يعود السؤال : من يملك أكبر ميزانية ؟ ومن لديه أكبر عدد من الباحثين ؟.
بل سيصبح السؤال : من سيكون أول من يبني منظومة تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه ؟.
إذا تحقق هذا التحول ، فقد تتسع الفجوة بين المتنافسين بسرعة يصعب تداركها . فالذكاء الاصطناعي لن يكون عندها مجرد نتيجة للبحث البشري ، بل سيصبح أداة لتسريع البحث والتطوير ، وربما أحد أهم محركات الابتكار في العالم .
وهنا تنتقل المعركة إلى مستوى أكثر حساسية : القوة العسكرية .
الدولة التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي في أجهزة استخباراتها ، وأنظمة القيادة والسيطرة ، واللوجستيات ، وتحليل المعلومات ، والدفاع ، والأنظمة الذاتية ، قد تحقق تفوقا استراتيجيا حتى لو لم تمتلك النموذج التجاري الأفضل في العالم .
وهذا يجعل قضية النماذج المفتوحة أكثر تعقيدا .
هل يمكن نشر تقنيات بالغة القوة على نطاق عالمي ، ثم ضمان ألا تتحول إلى أدوات لتعزيز القدرات العسكرية ؟ .
وهل تستطيع الحكومات وضع حدود فعالة أمام تكنولوجيا تنتشر بسرعة أكبر بكثير من قدرة التشريعات والمؤسسات الدولية على مواكبتها ؟ .
الولايات المتحدة تتقدم … والصين تغيّر قواعد اللعبة .
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أفضلية واضحة . فهي الدولة التي تجمع تقريبًا معظم حلقات السلسلة : البحث العلمي ، الشركات العملاقة ، الرقائق المتقدمة ، رأس المال ، البنية التحتية ، والقدرة على تحويل الابتكار إلى منتجات ذات انتشار عالمي .
لكن الصين لا تخوض المعركة بالشروط الأميركية .
إنها تراهن على الحجم ، والكفاءة ، وسرعة التطوير ، والانتشار .
وقد يكون هذا الخيار أكثر أهمية مما يبدو، لأن التكنولوجيا التي تنتشر بسرعة يمكن أن تتحول إلى نفوذ اقتصادي وسياسي ، حتى لو لم تكن دائما الأكثر تقدمًا من الناحية التقنية .
أما أوروبا ، فتواجه خطرا مختلفا : أن تتحول إلى مستهلك للتكنولوجيا التي يصنعها الآخرون .
لكنها لا تزال تملك أوراقا مهمة . فهي تمتلك قاعدة صناعية ضخمة ، وخبرة متراكمة في التصنيع والطاقة والنقل والطب والهندسة ، إضافة إلى سوق واسعة قادرة على استيعاب تطبيقات الذكاء الاصطناعي .
ولهذا قد لا يكون الرهان الأوروبي الحقيقي هو إنتاج النموذج الأكثر ذكاء ، وإنما تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة صناعية وإنتاجية .
وهذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في السباق كله .
فالمستقبل لن تحدده بالضرورة الدولة التي تمتلك أفضل نموذج لغوي ، بل الدولة التي تستطيع دمج الذكاء الاصطناعي في اقتصادها وصناعتها ودفاعها ومؤسساتها ، وتحويله من تكنولوجيا متقدمة إلى قوة مستدامة تنتج الثروة والنفوذ .
ومن هنا يمكن قراءة المشهد بثلاثة سباقات متوازية : الولايات المتحدة تراهن على التفوق في الذكاء الأكثر تقدما.
الصين تراهن على الذكاء الأكثر انتشارًا وكفاءة .
وأوروبا تملك فرصة للفوز بسباق ثالث : تحويل الذكاء إلى قوة إنتاجية وصناعية.
لكن هناك لاعبا رابعا قد يفرض نفسه في هذه المعادلة : الدول التي لا تطور النماذج الكبرى ، لكنها تنجح في توظيفها بسرعة داخل اقتصادها ، ومؤسساتها ، وخدماتها ، وجيوشها .
ففي عصر الذكاء الاصطناعي ، قد لا تكون ملكية التكنولوجيا وحدها مصدر القوة . أحيانًا تكون القدرة على استخدامها أفضل من القدرة على اختراعها .
وفي النهاية ، ربما يكون السؤال الذي نطرحه اليوم خاطئا.
فالسؤال ليس : من سيصنع أذكى آلة؟.
بل : من سيبني المنظومة القادرة على تحويل تلك الآلة إلى مصدر دائم للقوة والثروة والنفوذ ؟.
لأن المعركة المقبلة لن تكون بين نماذج ذكاء اصطناعي فقط، بل بين نماذج مختلفة من القوة العالمية .
ومن يفهم هذه الحقيقة مبكرًا ، قد لا يفوز بسباق التكنولوجيا فحسب ، بل قد يساهم في تحديد شكل النظام العالمي الذي سيولد من رحم هذه الثورة .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *