الشائعة تحاول .. والواقع يرد : الإمارات أقوى من كلّ حملات التضليل .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد الحروب تُخاض اليوم بالصواريخ والطائرات والاقتصاد وحدها، بل انتقلت أيضا إلى ساحة أكثر اتساعا وأقل كلفة : ساحة المعلومات و الاخبار المضللة .
فالشائعة باتت قادرة على الانطلاق من شاشة صغيرة ، او صحيفة او موقع ، لتنتشر خلال ساعات عبر عشرات الحسابات والمنصات ، لتتحول بفعل التكرار من ادعاء مجهول المصدر إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان المتلقين .
وفي هذا السياق يأتي تصريح الدكتور أنور قرقاش ، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات ، ليضع الإصبع على واحدة من أخطر أدوات الصراع الإعلامي الراهن .
أكد أن بعض المنصات الموجهة تتداول معلومات كاذبة حول دولة الإمارات ، مشيرا إلى أن الدولة تواصل تركيز جهودها على التعامل مع تطورات المنطقة والاستعداد للمرحلة المقبلة .
كما نفى بوضوح ما يتم تداوله بشأن إلغاء إقامات العمالة أو تقديم تسهيلات مالية لإيران، معتبرا هذه الادعاءات جزءا من حملات تضليل إعلامية يائسة.
غير أن أهمية هذا الموقف ، الذي نشره قرقاش على منصة ” إكس ” وتداولته صحيفة ” الخليج ” ، لا تكمن في نفي خبر أو شائعة بعينها ، وإنما في الرسالة السياسية والإعلامية الأوسع التي يحملها.
فالإمارات ، وفق هذا النهج ، لا تريد أن تجعل نفسها أسيرة لما تنتجه منصات التواصل من روايات متضاربة ، ولا ترى أن الرد على كل إشاعة يجب أن يكون بإشاعة مضادة أو بمعركة إعلامية مفتوحة . إنها تضع معيارا مختلفا للرد : الوقائع ، والسياسات ، والإنجازات .
وهنا تحديدا ينبغي التوقف عند الشائعة المتعلقة بإلغاء إقامات العمالة .
فهذا النوع من الأخبار ليس هينا او بسيطا من حيث تأثيره ، حتى عندما يكون كاذبا ، لأنه يمس حياة مئات الآلاف من الأشخاص وقراراتهم المهنية والأسرية ، ويمكن أن يخلق حالة من القلق الجماعي تجاه بلد يشكل سوق عمل ومركزاً اقتصاديا إقليميا مهما .
لذلك فإن إطلاق مثل هذه الأخبار من دون مصدر رسمي واضح لا يمثل مجرد خطأ إعلامي ، بل يمكن أن يتحول إلى ممارسة قادرة على صناعة اضطراب اجتماعي واقتصادي حقيقي .
والأمر نفسه ينطبق على الادعاء المتعلق بتقديم الإمارات تسهيلات مالية لإيران . فهذه ليست معلومة عابرة ، بل رواية ذات حمولة سياسية كبيرة ، خصوصا في ظل التوترات الإقليمية الراهنة .
وقد نقلت وكالة الأناضول، في 19 أغسطس الحالي ، نفي قرقاش لهذه الادعاءات، مشيرة إلى أن النفي جاء بعد إعلان الإمارات وقف التبادل التجاري والمالي مع إيران حتى إشعار آخر .
وهنا تتضح خطورة الحرب المعلوماتية و ترويج الاشاعات : فهي لا تحتاج دائما إلى اختراع قصة كاملة .
يكفي أحيانا اقتطاع جزء من حدث حقيقي، ثم إعادة تركيبه في سياق مختلف ، أو طرح سؤال بصيغة توحي بأن وراءه حقيقة ، أو نشر معلومة مجهولة المصدر وترك شبكات التواصل تتولى بقية المهمة .
فالشائعة الناجحة ليست بالضرورة الأكثر إقناعا ، بل الأكثر قدرة على الوصول والانتشار في اللحظة المناسبة، إلى جمهور مستعد لتصديقها .
ومن هذه الزاوية ، فإن استهداف الإمارات عبر روايات من هذا النوع لا يمكن فصله عن موقعها الإقليمي والدولي .
فالدولة لم تعد مجرد طرف اقتصادي في الخليج ، وإنما أصبحت لاعبا حاضرا في ملفات سياسية واقتصادية وإنسانية وثقافية ودبلوماسية متعددة . وكلما اتسعت مساحة التأثير، اتسعت معها مساحة الاستهداف الإعلامي، لأن ضرب صورة الدولة أصبح، في بعض الصراعات، جزءا من محاولة التأثير في قدرتها على الحركة وصناعة القرار .
لكن المشكلة الأساسية في هذه الحملات أنها تفترض أن الجمهور سيظل أسير المعلومة المتداولة ، بينما الواقع أكثر تعقيدا .
فالدول لا تُقاس بما يقال عنها على منصات التواصل ، وإنما بما تفعله مؤسساتها، وبما تنتجه اقتصاديا ، وبما تبنيه من علاقات ، وبما تتركه سياساتها من نتائج قابلة للملاحظة والقياس .
ولهذا تبدو عبارة قرقاش بأن ” العمل أقوى من الضجيج ” أكثر من مجرد رد سياسي على حملة إعلامية.
إنها تعكس فلسفة في التعامل مع بيئة إعلامية أصبحت فيها كثافة الكلام أكبر بكثير من قيمة المعلومات .
فإذا كانت الشائعة تقول إن الإمارات تتجه إلى خطوة معينة ، فإن السؤال الحقيقي ليس : كم حسابا نشرها ؟ بل : أين الوثيقة ؟ أين القرار الرسمي ؟ أين الجهة المختصة ؟ أين المصدر المستقل ؟ وما الوقائع التي يمكن التحقق منها ؟ .
هذه الأسئلة البسيطة كفيلة بإسقاط جزء كبير من الأخبار التي تنتشر بسرعة مذهلة ثم تتبخر بالسرعة نفسها .
والمسؤولية هنا لا تقع على الدولة وحدها. فالمتلقي أيضا شريك في صناعة البيئة التي تعيش فيها الشائعة .
كل مستخدم يعيد نشر خبر مجهول المصدر يمنحه حياة جديدة ، وكل منصة ترفع المحتوى الأكثر إثارة على حساب المحتوى الأكثر دقة تساهم ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، في توسيع مساحة التضليل .
لقد تغيرت وظيفة الإعلام في عصر المنصات . لم يعد التحدي فقط في الوصول إلى الخبر، بل في معرفة ما إذا كان الخبر خبرا أصلا .
ومن هنا تصبح مواجهة الشائعة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام والمجتمع الرقمي . فالدولة مطالبة بالشفافية وسرعة تقديم المعلومة ، والإعلام مطالب بالتحقق قبل النشر ، والمواطن مطالب بألا يتحول إلى ناقل آلي لكل محتوى يثير غضبه أو مخاوفه .
أما الإمارات ، فإن الرد الذي اختاره أنور قرقاش يضعها أمام اختبار آخر : هل تستطيع أن تجعل من الوقائع اليومية حصانة ضد حملات التشويه ؟
الإجابة لا تأتي من التغريدات ، بل من الواقع .
فالدول التي تمتلك مؤسسات فاعلة، واقتصادا متماسكا ، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية ، ومشاريع واضحة للمستقبل ، لا تحتاج إلى الدخول في معركة مع كل حساب مجهول .
يكفيها أن تجعل المعلومة متاحة ، وأن تكون سياساتها قابلة للفحص ، وأن تترك نتائجها تتحدث عنها .
وفي المقابل ، فإن المنصات التي تبني خطابها على الإشاعة تواجه مشكلة جوهرية : قد تنجح في صناعة الضجيج، لكنها لا تستطيع صناعة الوقائع .
وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في حملات التضليل التي تستهدف الإمارات أو غيرها من الدول .
يمكن للشائعة أن تصنع لحظة من الالتباس، لكنها لا تستطيع أن تلغي حقيقة قائمة على الأرض .
ويمكن لمقطع مجتزأ أن يحصد ملايين المشاهدات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل قرار رسمي أو وثيقة أو مؤشر اقتصادي أو واقع سياسي.
لذلك فإن معركة الإمارات الحقيقية ليست مع كل شائعة على حدة ، وإنما مع البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للانتشار .
والأفضل في هذه المعركة ألا تتحول الدولة إلى أسيرة للردود اليومية ، لأن ذلك قد يمنح الشائعة قيمة أكبر مما تستحق .
فالرد الأكثر فاعلية هو أن تكون المعلومة الرسمية واضحة، وأن تكون الحقائق متاحة، وأن يستمر العمل من دون الانجرار إلى إيقاع الحملات التي تستهدفها .
لقد قال قرقاش إن ” الحقائق والإنجازات الملموسة أقوى من الإشاعات ” ، وهذه ليست عبارة تصلح فقط للرد على ما نُشر اليوم، بل قاعدة أوسع في زمن أصبح فيه الإعلام ساحة من ساحات الصراع.
فالضجيج عابر، أما الإنجاز فيبقى. والشائعة تستطيع أن تملأ الفضاء لساعات ، لكنها لا تستطيع أن تبني دولة ، ولا أن تدير اقتصادا ، ولا أن تصنع سياسة خارجية ، ولا أن تغير موازين القوة .
وفي النهاية ، لا تُهزم الشائعة بكثرة النفي، بل بوفرة الحقيقة.
وهذه هي المعادلة التي يبدو أن الإمارات تراهن عليها : أن يكون الواقع أقوى من الرواية، وأن يكون الإنجاز أكثر حضورا من الضجيج ، وأن تترك الأيام وحدها مهمة كشف الفارق بين ما يُقال وما هو موجود فعلاً على الأرض .
