38°C تونس
15/08/2026
هرمز ليس ساحة للابتزاز .. الإمارات بين الردع والدبلوماسية والقانون .
وجهة نظر

هرمز ليس ساحة للابتزاز .. الإمارات بين الردع والدبلوماسية والقانون .

أغسطس 15, 2026

عواصم – عرب 21 : أ – حذامي محجوب .

لم يعد استهداف ناقلات النفط الإماراتية مجرد حادث عابر يمكن وضعه في خانة التوترات المتكررة في مياه الخليج .
عندما تصبح ناقلات تابعة لشركة ” أدنوك ” هدفا للاعتداء ، فإن المسألة تتجاوز استهداف سفن تجارية إلى محاولة تهديد أمن الملاحة ، واستهداف المصالح الاقتصادية لدولة الإمارات ، وفرض معادلة خطيرة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم .
من هنا تكتسب مواقف الاستاذ. أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أهمية خاصة، بعدما وضع التعامل الإماراتي مع الأزمة ضمن معادلة تقوم على الردع والدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي .
وهي ثلاثية تكشف بوضوح أن أبوظبي لا تتعامل مع التطورات بمنطق التصعيد و المواجهة المفتوحة ، ولا بمنطق القبول و الاستسلام للأمر الواقع ، وإنما بسياسة محسوبة تحمي مصالحها وتمنع الانزلاق إلى حرب أوسع .
فالردع ، في الرؤية الإماراتية ، ليس دعوة إلى التصعيد من أجل التصعيد ، وإنما رسالة واضحة بأن الاعتداء على المصالح الإماراتية لن يتحول إلى أمر واقع .
والدبلوماسية ليست بديلا عن حماية الحقوق ، بل إحدى أدوات حمايتها ومنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة شاملة .
أما القانون الدولي ، فهو الإطار الذي يمنح هذا الموقف شرعيته ، ويؤكد أن حرية الملاحة ليست ورقة للمساومة ولا امتيازاً تمنحه قوة لطرف وتسلبه من آخر .
وهنا تحديدا تكمن خطورة استهداف الناقلات الإماراتية .
فالمساس بحرية الملاحة لا يهدد دولة بعينها ، بل يضرب شريانا حيوياً للتجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد . ومضيق هرمز ليس ملكا لطرف حتى يحوله إلى أداة للضغط أو الابتزاز ، بل ممر استراتيجي تتقاطع عنده مصالح دول الخليج والاقتصاد العالمي بأسره .
وأي محاولة لتحويله إلى ساحة للترهيب أو فرض الإرادات بالقوة تعني نقل المنطقة إلى مستوى أخطر بكثير من مجرد الخلافات السياسية .
في هذا السياق ، تبدو الإمارات حريصة على عدم الوقوع في الفخ الذي قد يسعى إليه البعض : دفعها إلى رد فعل متسرع يفتح أبواب مواجهة يصعب التحكم في مساراتها . ولذلك فإن اختيارها سياسة متزنة ، تجمع بين حماية المصالح والإبقاء على أبواب الحوار مفتوحة، لا يمثل ضعفاً ولا ترددا ، بل يعكس إدراكا سياسيا عميقا لكلفة الحرب ، من دون أن يعني ذلك القبول بكلفة الصمت على الاعتداء .
فالهدوء الإماراتي ليس استسلاما ، والحكمة ليست تراجعا ، وضبط النفس لا يعني غياب القدرة على الرد .
ان الدولة التي تؤكد حقها في حماية سيادتها ومصالحها وحرية الملاحة ، تضع في الوقت ذاته حدودا واضحة أمام أي محاولة لاختبار قدرتها على الاحتمال .
والرسالة الإماراتية هنا شديدة الوضوح : السلام خيار، والدبلوماسية مسار، لكن السيادة والمصالح الوطنية وحرية الملاحة ليست حقوقاً قابلة للمساومة .
والأهم أن أبوظبي لا تنظر إلى أمنها بوصفه شأنا إماراتيا منفردا . فالدعوة إلى تعزيز الموقف الخليجي الموحد تعكس إدراكا لحقيقة استراتيجية أساسية : أمن الخليج لا يمكن تجزئته ، والممرات البحرية لا يمكن تأمينها بمنطق ردود الفعل الفردية ، والمصالح المشتركة تحتاج إلى موقف سياسي وأمني متماسك.
لقد أثبتت أزمات المنطقة أن الانقسام الخليجي لا يخدم إلا القوى التي تبحث عن ثغرات تنفذ منها .
وكلما تراجعت قدرة دول الخليج على تنسيق مواقفها، اتسعت مساحة الضغوط والابتزاز . ولذلك فإن وحدة الموقف الخليجي ليست مجرد شعار للتضامن، بل ضرورة استراتيجية تفرضها الجغرافيا وحجم المصالح الاقتصادية وإلأمنية المرتبطة بالخليج وممراته البحرية.
مًن هذه الزاوية، تحاول الإمارات تكريس نموذج مختلف في إدارة الأزمات : لا اندفاع نحو الحرب ، ولا استسلام ، ولا إغلاق لأبواب الدبلوماسية، ولا تفريط في الحقوق.
إنها معادلة تقوم على قوة الموقف ، وشرعية القانون، وفاعلية الدبلوماسية، ووحدة الحلفاء.
استهداف الناقلات الإماراتية يجب أن يُدان بوضوح ، لأن تحويل السفن التجارية إلى أهداف في الصراعات السياسية يضرب قواعد أساسية يفترض أن تحكم حركة التجارة الدولية.
وإذا أصبح أمن الملاحة رهينة للتهديدات والهجمات، فلن يبقى الضرر محصوراً في مياه الخليج ، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن الموقف الإماراتي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد رد على حادث أمني، بل باعتباره تعبيراً عن فلسفة متكاملة في إدارة أزمة مفتوحة: ردع يحمي، ودبلوماسية تمنع الانفجار، وقانون دولي يحفظ الحقوق، وموقف خليجي موحد يحول دون تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للابتزاز .

في الخليج، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة والسياسة والأمن، لا تكمن القوة فقط في القدرة على الرد، وإنما في معرفة متى وكيف يكون الرد، وفي امتلاك الحكمة التي تمنع تحويل كل اعتداء إلى حرب، من دون السماح في المقابل بتحويل ضبط النفس إلى فرصة للتمادي .
وهذه هي المعادلة التي تحاول الإمارات تثبيتها : السلام خيار، والدبلوماسية مسار، والحكمة قوة، لكن السيادة وحرية الملاحة والمصالح الوطنية ليست قابلة للمساومة .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *