38°C تونس
12/08/2026
رضائي في قلب القرار الإيراني : طهران للحرب أم لإعادة ترتيب أوراق التفاوض ؟ .
أراء وأفكار

رضائي في قلب القرار الإيراني : طهران للحرب أم لإعادة ترتيب أوراق التفاوض ؟ .

أغسطس 11, 2026

بقلم أ.حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

في إيران ، لا تكون التعيينات الكبرى مجرد تغييرات إدارية ، ولا تتغير الأسماء الوازنة داخل الدولة بمعزل عن موازين القوة التي تحكم النظام .
حين يتعلق الأمر بالمجلس الأعلى للأمن القومي ، فإن اختيار أمينه لا يعني تعيين مسؤول جديد فحسب ، بل يكشف ، في كثير من الأحيان ، عن الاتجاه الذي تريد القيادة أن تسلكه في أكثر الملفات حساسية : الحرب ، والتفاوض ، والردع ، والعلاقة مع الولايات المتحدة ، ومستقبل المواجهة في المنطقة .
من هنا ، فإن عودة محسن رضائي إلى قلب القرار الأمني الإيراني ليست تفصيلا عابرا .
رضائي ، الرجل الذي أمضى ستة عشر عاما على رأس الحرس الثوري ، والذي عرف المؤسسة العسكرية من داخلها ، وانتقل بعدها إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام والحكومة والسياسة ، يعود اليوم إلى واحدة من أكثر غرف صناعة القرار حساسية في الجمهورية الإسلامية .
جاء تعيينه في لحظة لا تشبه أي مرحلة عادية .
إيران خرجت من مواجهة عسكرية قاسية ، فقدت خلالها عددا من كبار مسؤوليها ، وتعرضت بنيتها العسكرية والأمنية لضربات كبيرة ، فيما وجدت القيادة نفسها مطالبة بإدارة ثلاث معارك في وقت واحد : معركة الميدان ، ومعركة الردع ، ومعركة التفاوض .
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس : لماذا اختير محسن رضائي هو بالذات ؟ .
بل : ماذا تريد القيادة الإيرانية أن تفعل بمحسن رضائي؟ .
الرجل الذي لم تمنحه الانتخابات الرئاسة ومنحته الدولة النفوذ .
تكشف سيرة رضائي عن مفارقة شديدة الدلالة في النظام الإيراني .
فالرجل خاض الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة ، لكنه لم يصل إلى الرئاسة .
ومع ذلك ، لم يغادر دائرة النفوذ المقربة . ظل ضمن المؤسسات الأساسية للنظام ، انتقل من موقع إلى آخر ، محتفظا بعلاقاته داخل المؤسسة العسكرية والسياسية ، وبمعرفته العميقة بطريقة اشتغال الدولة الإيرانية .
هنا تحديدا تكمن أهميته. فقيمة رضائي بالنسبة إلى النظام لا ترتبط بقدرته على كسب الانتخابات ، وإنما بمدى قدرته على فهم مراكز القوة التي لا تُختزل في صناديق الاقتراع .
كان قائدا للحرس الثوري في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ إيران ، ثم انتقل إلى المجال السياسي ، وظل طوال عقود جزءا من منظومة القرار .
ولذلك فإن عودته اليوم لا تبدو مجرد عودة جنرال متقاعد إلى الواجهة ، بقدر ما تبدو استدعاء لرجل يمتلك لغة يستطيع أن يفهمها العسكريون ، ولغة أخرى يستطيع أن يخاطب بها السياسيون .
وهذه الازدواجية هي تحديدا ما يجعل تعيينه مهما .
هل استعاد الحرس الثوري المجلس؟ .
القراءة الأولى تقول إن تعيين رضائي يمثل انتصارا للحرس الثوري والتيار الأكثر تشددا داخل منظومة الحكم .
وهذه قراءة لها ما يبررها.
فالرجل يحمل تاريخا طويلا داخل المؤسسة العسكرية ، ومواقفه من الحرب والردع والتفاوض أكثر صرامة من مواقف كثير من السياسيين الإيرانيين انفسهم .
كما أن عودته تأتي في سياق إعادة ترتيب واسعة للقيادة العسكرية والأمنية الإيرانية ، ما يعزز الانطباع بأن طهران تريد إعادة المؤسسة العسكرية إلى مركز صياغة القرار .
لكن اختزال المسألة في موقف ” الحرس استعاد المجلس ” قد يكون تبسيطا أكثر مما ينبغي .
الأرجح أننا أمام محاولة من مركز السلطة نفسه لإعادة ترتيب القرار ، والاستفادة من رجل يعرف الحرس الثوري جيدا ، لكنه ليس محصورا فيه .
وهذا فارق جوهري. فالقيادة الإيرانية لا تحتاج فقط إلى رجل عسكري قوي ، وإنما إلى رجل يستطيع أن يربط بين العسكري والسياسي والأمني والدبلوماسي ، وأن يمنع تعدد مراكز التقدير من التحول إلى تعدد في القرارات .
وهنا تبدأ أهمية رضائي الحقيقية. هل يريد مجتبى خامنئي توحيد القرار و مركزته ؟.
هذا هو السؤال الأهم . فالمرحلة الحالية تفرض على القيادة الإيرانية مشكلة تتجاوز المواجهة العسكرية نفسها .
هناك اختلافات حول الحرب ، وحول شروط وقف إطلاق النار ، وحول مستقبل التفاوض مع واشنطن ، وحول استخدام أوراق الضغط الإقليمية ، وحول الكلفة التي تستطيع إيران تحملها إذا طال أمد المواجهة .
وقد ظهرت خلال المرحلة الماضية مؤشرات على وجود مساحات مختلفة في التقدير داخل النظام ، وهو ما يجعل السؤال ليس فقط : من يقرر داخل ايران ؟.
بل الاهم : كيف تُصنع الخيارات التي تصل إلى صاحب القرار ؟ .
الأمر الذي يجعل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بالغ الحساسية .
فالأمين لا يملك منفردا قرار الحرب أو السلم، لكنه يملك تأثيرا كبيرا في تنظيم عملية صناعة القرار، وجمع تقديرات المؤسسات المختلفة ، وصياغة الخيارات ، ومتابعة تنفيذ ما يتم اعتماده .
إن السيطرة على مسار النقاش لا تعني امتلاك القرار النهائي ، لكنها تؤثر بصورة كبيرة في شكل الخيارات التي تصل إلى صاحب القرار .
رضائي: رجل الحرب أم رجل التفاوض؟
ربما يكون هذا هو السؤال هو الأكثر إثارة.
لكن الإجابة ليست بسيطة.
رضائي ليس دبلوماسيا تقليديا ، لكنه أيضا ليس بالضرورة رجلا يرفض التفاوض من حيث المبدأ .
الأقرب إلى مواقفه أنه يرفض التفاوض من موقع الضعف .
وهذا يعني أن وجوده في المجلس قد لا يغلق الباب أمام الدبلوماسية ، لكنه يمكن أن يغيّر شروط الدخول إليها .
فالتفاوض ، في ” مدرسة ” رضائي ، ليس بديلا عن القوة ، وإنما امتداد لها.
والدبلوماسية ليست طريقا للخروج من المواجهة بأي ثمن ، وإنما وسيلة لتحويل ما تعتبره إيران مكاسب ميدانية أو أوراق ضغط إلى مكاسب سياسية .
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا .
فوجود شخصية عسكرية في قلب صناعة القرار الإيراني قد يؤدي إلى تشديد شروط التفاوض ، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى جعل الموقف الإيراني أكثر انضباطا .
لماذا؟ ، لأن القيادة العسكرية ، حين تشعر أن القرار السياسي والعسكري أصبحا أكثر تنسيقا ، قد تكون أقل ميلا إلى إصدار رسائل متناقضة ، وأكثر قدرة على الالتزام بخط تفاوضي واحد .
هذه هي المفارقة.
الرجل الذي يبدو في ظاهره اختيارا للحرب قد يكون جزءا من محاولة إدارة التفاوض من موقع أقوى .
مضيق هرمز… ورقة ضغط أم مقدمة لمواجهة جديدة؟ .
تزداد أهمية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بحرية الملاحة فيه .
فطهران تنظر إلى المضيق باعتباره إحدى أهم أوراق القوة الاستراتيجية التي يمكن أن تستخدمها في مواجهة كل خصومها .
لكن استخدام ورقة الضغط هذه لا يعني بالضرورة الرغبة في الحرب .
أحياناً تكون وظيفة الردع هي منع الحرب ، لا إشعالها .
الدولة التي تريد أن تمنع خصمها من توجيه ضربة جديدة قد تحتاج إلى إقناعه بأن كلفة الحرب ستكون أعلى مما يتوقع .
من هذه الزاوية ، يمكن قراءة تشدد رضائي وخطابه العسكري باعتباره جزءا من سياسة ردع إيرانية .
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الردع من وسيلة لمنع الحرب إلى عقيدة تعتبر القوة الطريق الوحيد لحسم الأزمات .
هنا بالذات تكمن المخاطرة. ذاكرة الحرب العراقية ـ الإيرانية . رضائي ليس رجل أمن جاء من خلفية سياسية بحتة .
إنه ابن تجربة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وهي التجربة التي صنعت جزءا كبيرا من شخصيته السياسية والعسكرية .
وقد عاش بنفسه المفارقة التي واجهتها إيران في نهاية تلك الحرب : بين الطموحات العسكرية والسياسية من جهة ، وبين قدرة الدولة الاقتصادية والعسكرية على تحمل حرب طويلة من جهة أخرى .
وفي النهاية اضطرت طهران إلى قبول القرار الأممي 598 .
هذه الذاكرة قد تكون اليوم نقطة ضعف أو نقطة قوة .
نقطة ضعف إذا دفعت رضائي إلى الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على فرض الحل .
ونقطة قوة إذا جعلته أكثر وعيا بالحدود التي يمكن أن تصل إليها الحرب ، وباللحظة التي تصبح فيها التسوية أقل كلفة وأكثر فائدة من استمرار المواجهة .
ولهذا فإن وجوده في هذا الموقع يمثل أيضا امتحانا لتجربته الشخصية .
هل سيستخدم خبرته في الحرب لإدارة حرب جديدة ، أم ليعرف متى يجب إنهاؤها ؟ .
إعادة ترتيب لا إعلان حرب :
من الخطأ القفز مباشرة من تعيين رضائي إلى استنتاج أن إيران تستعد لحرب جديدة .
لكن من الخطأ أيضا التعامل مع التعيين وكأنه إجراء إداري بلا دلالة سياسية .
المؤشرات الحالية توحي بإعادة ترتيب واسعة لمنظومة القرار العسكري والأمني الإيراني ، مع تعزيز حضور شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري في مواقع أساسية .
وهذا يجعل تعيين رضائي جزءا مهما من عملية أكبر لإعادة بناء مركز القرار بعد الخسائر التي تعرضت لها القيادة الإيرانية.
وهنا كذلك قد يكون الهدف الأساسي هو توحيد القرار قبل تحديد اتجاهه .
إيران لا تستطيع إدارة مواجهة طويلة إذا كانت مؤسساتها تتحدث بلغات مختلفة .
ولا تستطيع التفاوض بفاعلية إذا كانت الحكومة تقول شيئا ، والبرلمان يقول شيئا آخر، والمؤسسة العسكرية ترفع سقفا ثالثا .
لذلك قد يكون رضائي هو الرجل الذي اختير لردم هذه الفجوة .
فهو مفهوم بالنسبة للعسكريين ، ومقبول داخل بنية النظام ، وله خبرة سياسية ، ويعرف كيف تعمل المؤسسات من الداخل .
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن :
لهذا، لا ينبغي الحكم على تعيين رضائي من خلال سيرته وحدها ، بل من خلال أول الملفات الكبرى التي سيمسك بها المجلس .
إذا رأينا تشديدا متزايدا لشروط التفاوض ، وتراجعا في وزن المسار الدبلوماسي ، وتصعيدا مستمرا في خطاب الردع ، فسيكون ذلك مؤشرا على أن القيادة اختارت مسارا أكثر صلابة .
أما إذا ظهر موقف إيراني شديد اللهجة في العلن ، لكنه أكثر انضباطا في الغرف المغلقة ، فقد يكون ذلك دليلا على أن طهران تريد التفاوض من موقع قوة لا إغلاق باب التفاوض .
وهنا تحديدا ستتضح وظيفة رضائي .
هل هو رجل الحرب؟ .
أم رجل التفاوض الذي يفكر بعقلية الحرب ؟ .
أم رجل الحرب الذي يعرف ، بحكم تجربته الطويلة ، أن أفضل نتيجة للحرب قد تكون أحيانا الوصول إلى طاولة التفاوض بشروط أفضل ؟ .
الخلاصة : إيران لا تغلق الباب… لكنها تغيّر شروط الدخول .
قد تكون الرسالة الحقيقية من تعيين محسن رضائي أكثر تعقيدا من مجرد إرسال إشارة تصعيد .
إيران لا تبدو وكأنها تغلق باب الدبلوماسية، لكنها تريد إغلاق باب التفاوض غير المشروط .
ولا تعلن الحرب ، لكنها ترفع كلفة التفكير فيها .
ولا تسلّم الدولة بالكامل للحرس الثوري ، لكنها تعيد المؤسسة العسكرية إلى موقع أكثر مركزية في صياغة الخيارات .
وهنا تكمن دلالة تعيين رضائي.
فالرجل الذي لم تمنحه الانتخابات الإيرانية منصب الرئاسة ، حافظ طوال عقود على مكانه قريبا من مركز القرار و القوة. واليوم يجد نفسه في موقع يمكن أن يؤثر ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، في القرارات التي تحدد اتجاه إيران بين الحرب و التفاوض .
وهذا يكشف مرة أخرى طبيعة النظام الإيراني ، حيث لا يُقاس النفوذ دائما بمن يفوز في صناديق الاقتراع ، بل بمن يبقى قريبا من مركز القرار عندما تتغير قواعد اللعبة .
ولهذا فإن تعيين محسن رضائي ليس مجرد عودة جنرال سابق إلى الواجهة .
إنه اختبار لاتجاه إيران نفسها .
فإذا نجح في توحيد المؤسسات ، فقد يكون الرجل الذي يعيد بناء قرار إيراني أكثر تماسكا ، ويفتح الطريق أمام تفاوض أكثر صرامة ولكن أكثر انضباطا .
وإذا تحولت مهمته إلى تغليب منطق الحرس الثوري على بقية مؤسسات الدولة ، فقد نشهد مرحلة جديدة من عسكرة القرار السياسي .
أما إذا استخدمت طهران خبرة رضائي العسكرية لرفع سقف الردع ثم تحويله إلى شروط سياسية على طاولة التفاوض ، فإن المفارقة ستكون أكبر : قد لا يكون محسن رضائي الرجل الذي اختارته إيران لتبدأ الحرب ، بل الرجل الذي اختارته كي لا تدخل التفاوض من موقع الضعف .
لكن المسافة بين الردع والحرب ، وبين التفاوض والتصعيد ، تظل ضيقة .
وقد لا يكشف حقيقة هذا التعيين خطاب رضائي، ولا تصريحاته، ولا حتى خلفيته العسكرية .
القرار الأول الكبير الذي سيخرج من غرفة المجلس الأعلى للأمن القومي هو الذي سيكشف إلى أين تتجه طهران فعلا : نحو حرب جديدة ، أم نحو تفاوض جديد بشروط مختلفة .
هنا بالذات تكمن المخاطرة. ذاكرة الحرب العراقية ـ الإيرانية . رضائي ليس رجل أمن جاء من خلفية سياسية بحتة .
إنه ابن تجربة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وهي التجربة التي صنعت جزءا كبيرا من شخصيته السياسية والعسكرية .
وقد عاش بنفسه المفارقة التي واجهتها إيران في نهاية تلك الحرب : بين الطموحات العسكرية والسياسية من جهة ، وبين قدرة الدولة الاقتصادية والعسكرية على تحمل حرب طويلة من جهة أخرى .
وفي النهاية اضطرت طهران إلى قبول القرار الأممي 598 .
هذه الذاكرة قد تكون اليوم نقطة ضعف أو نقطة قوة .
نقطة ضعف إذا دفعت رضائي إلى الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على فرض الحل .
ونقطة قوة إذا جعلته أكثر وعيا بالحدود التي يمكن أن تصل إليها الحرب ، وباللحظة التي تصبح فيها التسوية أقل كلفة وأكثر فائدة من استمرار المواجهة .
ولهذا فإن وجوده في هذا الموقع يمثل أيضا امتحانا لتجربته الشخصية .
هل سيستخدم خبرته في الحرب لإدارة حرب جديدة ، أم ليعرف متى يجب إنهاؤها ؟ .
إعادة ترتيب لا إعلان حرب :
من الخطأ القفز مباشرة من تعيين رضائي إلى استنتاج أن إيران تستعد لحرب جديدة .
لكن من الخطأ أيضا التعامل مع التعيين وكأنه إجراء إداري بلا دلالة سياسية .
المؤشرات الحالية توحي بإعادة ترتيب واسعة لمنظومة القرار العسكري والأمني الإيراني ، مع تعزيز حضور شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري في مواقع أساسية .
وهذا يجعل تعيين رضائي جزءا مهما من عملية أكبر لإعادة بناء مركز القرار بعد الخسائر التي تعرضت لها القيادة الإيرانية.
وهنا كذلك قد يكون الهدف الأساسي هو توحيد القرار قبل تحديد اتجاهه .
إيران لا تستطيع إدارة مواجهة طويلة إذا كانت مؤسساتها تتحدث بلغات مختلفة .
ولا تستطيع التفاوض بفاعلية إذا كانت الحكومة تقول شيئا ، والبرلمان يقول شيئا آخر، والمؤسسة العسكرية ترفع سقفا ثالثا .
لذلك قد يكون رضائي هو الرجل الذي اختير لردم هذه الفجوة .
فهو مفهوم بالنسبة للعسكريين ، ومقبول داخل بنية النظام ، وله خبرة سياسية ، ويعرف كيف تعمل المؤسسات من الداخل .
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن :
لهذا، لا ينبغي الحكم على تعيين رضائي من خلال سيرته وحدها ، بل من خلال أول الملفات الكبرى التي سيمسك بها المجلس .
إذا رأينا تشديدا متزايدا لشروط التفاوض ، وتراجعا في وزن المسار الدبلوماسي ، وتصعيدا مستمرا في خطاب الردع ، فسيكون ذلك مؤشرا على أن القيادة اختارت مسارا أكثر صلابة .
أما إذا ظهر موقف إيراني شديد اللهجة في العلن ، لكنه أكثر انضباطا في الغرف المغلقة ، فقد يكون ذلك دليلا على أن طهران تريد التفاوض من موقع قوة لا إغلاق باب التفاوض .
وهنا تحديدا ستتضح وظيفة رضائي .
هل هو رجل الحرب؟ .
أم رجل التفاوض الذي يفكر بعقلية الحرب ؟ .
أم رجل الحرب الذي يعرف ، بحكم تجربته الطويلة ، أن أفضل نتيجة للحرب قد تكون أحيانا الوصول إلى طاولة التفاوض بشروط أفضل ؟ .
الخلاصة : إيران لا تغلق الباب… لكنها تغيّر شروط الدخول .
قد تكون الرسالة الحقيقية من تعيين محسن رضائي أكثر تعقيدا من مجرد إرسال إشارة تصعيد .
إيران لا تبدو وكأنها تغلق باب الدبلوماسية، لكنها تريد إغلاق باب التفاوض غير المشروط .
ولا تعلن الحرب ، لكنها ترفع كلفة التفكير فيها .
ولا تسلّم الدولة بالكامل للحرس الثوري ، لكنها تعيد المؤسسة العسكرية إلى موقع أكثر مركزية في صياغة الخيارات .
وهنا تكمن دلالة تعيين رضائي.
فالرجل الذي لم تمنحه الانتخابات الإيرانية منصب الرئاسة ، حافظ طوال عقود على مكانه قريبا من مركز القرار و القوة. واليوم يجد نفسه في موقع يمكن أن يؤثر ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، في القرارات التي تحدد اتجاه إيران بين الحرب و التفاوض .
وهذا يكشف مرة أخرى طبيعة النظام الإيراني ، حيث لا يُقاس النفوذ دائما بمن يفوز في صناديق الاقتراع ، بل بمن يبقى قريبا من مركز القرار عندما تتغير قواعد اللعبة .
ولهذا فإن تعيين محسن رضائي ليس مجرد عودة جنرال سابق إلى الواجهة .
إنه اختبار لاتجاه إيران نفسها .
فإذا نجح في توحيد المؤسسات ، فقد يكون الرجل الذي يعيد بناء قرار إيراني أكثر تماسكا ، ويفتح الطريق أمام تفاوض أكثر صرامة ولكن أكثر انضباطا .
وإذا تحولت مهمته إلى تغليب منطق الحرس الثوري على بقية مؤسسات الدولة ، فقد نشهد مرحلة جديدة من عسكرة القرار السياسي .
أما إذا استخدمت طهران خبرة رضائي العسكرية لرفع سقف الردع ثم تحويله إلى شروط سياسية على طاولة التفاوض ، فإن المفارقة ستكون أكبر : قد لا يكون محسن رضائي الرجل الذي اختارته إيران لتبدأ الحرب ، بل الرجل الذي اختارته كي لا تدخل التفاوض من موقع الضعف .
لكن المسافة بين الردع والحرب ، وبين التفاوض والتصعيد ، تظل ضيقة .
وقد لا يكشف حقيقة هذا التعيين خطاب رضائي، ولا تصريحاته، ولا حتى خلفيته العسكرية .
القرار الأول الكبير الذي سيخرج من غرفة المجلس الأعلى للأمن القومي هو الذي سيكشف إلى أين تتجه طهران فعلا : نحو حرب جديدة ، أم نحو تفاوض جديد بشروط مختلفة .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *