ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست معركة مكافحة الفساد مجرد حملة إدارية لملاحقة المتورطين أو استعادة الأموال المنهوبة ، بل هي في جوهرها معركة على معنى الدولة نفسها ، دولة القانون والمؤسسات والسيادة .
وحين تنتقل مكافحة الفساد من مستوى الشعارات والخطابات إلى مستوى الإجراءات الميدانية والقرارات العملية ، فإن الأمر يصبح مؤشرا على أن بلدا ما بدأ بالفعل رحلة استعادة هيبته وبناء عقد جديد بين الدولة ومواطنيها .
ويبدو أن العراق يقف اليوم عند هذه اللحظة المفصلية .
فبعد سنوات طويلة أثقلتها الحروب والإرهاب والانقسامات السياسية والمحاصصة ، يتحرك نحو فتح ملفات ظلت لوقت طويل من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا ، في محاولة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ أن القانون يجب أن يكون المرجعية العليا للجميع .
لقد دفع العراق ثمنا باهظا للفساد . فلم تكن خسائره مالية فحسب ، بل كانت سياسية ومؤسساتية واجتماعية أيضا .
فقد تسللت شبكات المصالح إلى مفاصل الدولة ، واستنزفت الثروات العامة ، وأضعفت الإدارة ، وأفقدت المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على حمايته وصون حقوقه . ولذلك فإن أي مشروع حقيقي للنهوض بالعراق لا يمكن أن يبدأ إلا من مواجهة هذا الإرث الثقيل وتفكيك منظومته .
وتشير المعطيات إلى أن الحكومة العراقية تتجه نحو مقاربة أكثر شمولا ، مقاربة لا تقتصر على ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد ، بل تسعى كذلك إلى معالجة البيئة التي سمحت بنموه واستمراره .
فمن جهة، يجري العمل على استرداد الأموال العامة وملاحقة المتهمين أمام القضاء ، مع التأكيد على أن الحصانات لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة للإفلات من المساءلة ، وأن لا أحد يجب أن يكون فوق القانون .
ومن جهة أخرى ، يبدو أن ملف السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة أصبح جزءا لا يتجزأ من مشروع الإصلاح نفسه .
فمكافحة الفساد لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل تعدد مراكز القوة وتداخل السلطات . إن وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية يخلق بيئة يصعب فيها تطبيق القانون ، وحماية المال العام ، وضمان استقلال القضاء ، ويجعل من الإصلاح مشروعا منقوصا مهما كانت نواياه .
ولهذا، فإن حصر السلاح بيد الدولة لا يمثل مجرد إجراء أمني ، بل يشكل أحد الأعمدة الأساسية لبناء الدولة الحديثة .
فالعلاقة بين الفساد والسلاح المنفلت علاقة عضوية ، إذ كلما ضعفت سلطة الدولة ، اتسعت شبكات النفوذ والمصالح ، وتراجعت قدرة مؤسسات الرقابة والمحاسبة على أداء دورها ، وأصبحت القوانين أقل فاعلية والعدالة أكثر هشاشة .
ولا شك أن نجاح هذه المعركة سيبعث برسائل بالغة الأهمية .
ففي الداخل ، سيعيد إلى العراقيين الأمل بإمكانية قيام دولة عادلة تحمي حقوقهم وتدير ثرواتهم بشفافية وتكافؤ .
أما في الخارج ، فسيعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين ، ويقدم صورة جديدة عن عراق يسير بثبات نحو ترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون .
غير أن الطريق لن يكون سهلا .
فشبكات الفساد التي تراكمت عبر عقود طويلة نسجت لنفسها نفوذا سياسيا واقتصاديا وإداريا واسعا ، ولن تتخلى عن امتيازاتها بسهولة . كما أن معالجة ملف السلاح غير المنضبط تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة السياسية ، وإجماعا وطنيا واسعا ، وإرادة ثابتة تحول دون الانزلاق إلى صراعات داخلية .
ومع ذلك، فإن الأمم لا تُقاس بحجم الأزمات التي واجهتها ، بل بقدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى فرص للانبعاث .
وإذا استمرت هذه الخطوات ضمن إطار القانون ، وبمقاربة عادلة لا تستثني أحدا ، فقد يكون العراق أمام بداية مرحلة جديدة ، عنوانها استعادة هيبة الدولة ، وتجفيف منابع الفساد ، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون .
إن العراق يمتلك من الموارد البشرية والثروات الاقتصادية والإمكانات الحضارية ما يؤهله ليكون إحدى القوى المؤثرة في المنطقة .
غير أن تحقيق هذا الطموح يبقى رهين نجاح مشروع الدولة في فرض سيادتها ، وحماية المال العام ، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب . فحين ينتصر القانون على الفساد ، وتصبح الدولة وحدها صاحبة القرار والقوة المشروعة ، يكون العراق قد وضع بالفعل حجر الأساس لمستقبل أكثر أمنا واستقرارا و نموا و ازدهارا .

