تونس 37°C

29 جوان 2026

تونس 38°C

29 جوان 2026

إيران وعاشوراء … كيف تصنع الذاكرة شرعية السلطة ؟ .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

التاريخ ليس مجرد ذاكرة للأحداث ، والدين ليس فقط صلة روحية بين الإنسان وربه . عندما تتقاطع الذاكرة مع السياسة ، يتحول الماضي إلى مورد استراتيجي لإنتاج الحاضر ، وتصبح الرموز أدوات للتعبئة ، وتغدو المآسي التاريخية وقودا لمعارك معاصرة .
لذلك لا تحكم بعض الدول شعوبها بالقوة وحدها ، بل أيضا بالرواية التي تنسجها عن نفسها وعن تاريخها .
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل : ما الذي يجعل ملايين الإيرانيين يحيون ذكرى الإمام الحسين ، وهو سبط النبي العربي الذي استشهد قبل أكثر من أربعة عشر قرنا وفي أرض تبعد آلاف الكيلومترات عن إيران ؟ .
هل يكفي التفسير الديني العقائدي وحده لفهم هذا الارتباط العميق ، أم أن السياسة نجحت ، عبر عقود طويلة ، في تحويل واقعة تاريخية إلى أحد مكونات الهوية الوطنية وأداة من أدوات النفوذ الإقليمي ؟ .
في الأنثروبولوجيا ، لا ينظر إلى الأساطير والقصص المؤسسة باعتبارها مجرد حكايات عن الماضي ، بل بوصفها اللغة التي تعبر بها المجتمعات عن ذاتها وعن منظومتها الرمزية وقيمها الكبرى .
فهي تمنح الجماعة ذاكرة مشتركة وتقدم لها تفسيرا للعالم يتجاوز حدود الزمان والمكان .
و لهذا تدرك كل سلطة أن السيطرة على الحاضر تبدأ غالبا بالسيطرة على سردية الماضي .
ويذهب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى أن الأسطورة تحمل وجهين متلازمين ، فهي تؤدي من جهة وظيفة أيديولوجية تمنح الشرعية للنظام القائم ، ومن جهة أخرى تحمل بعدا يوتوبيا ، أي حلما بمجتمع أكثر عدالة وإنصافا.
ومن خلال ما سماه ” تأويلية الشك ” ، يدعو ريكور إلى البحث عما تخفيه الروايات الكبرى من مصالح سياسية ، دون أن ينكر قدرتها في الوقت نفسه على إلهام الناس ومنحهم الأمل .
ولعل هذا ما يفسر قدرة بعض الأنظمة على تحويل الوقائع التاريخية إلى مشروع سياسي دائم .
فاستحضار المظلومية بصورة متكررة لا يبقى مجرد إحياء لذكرى بعيدة ، بل يصبح وسيلة لصناعة هوية جماعية متماسكة وترسيخ شعور دائم بوجود معركة مستمرة بين الحق والباطل ، وبين الضحية والجلاد .
عندما تستقر هذه الثنائية في الوعي الجمعي ، يصبح من السهل ربط تحديات الحاضر بأحداث وقعت قبل قرون طويلة .
في الحالة الإيرانية ، تبدو عاشوراء أكثر من مناسبة دينية ، فهي أيضا لغة سياسية وثقافية تُستخدم لترسيخ خطاب الثورة وإعادة إنتاج شرعيتها في الداخل ، وتقديم نفسها في الخارج باعتبارها امتدادا تاريخيا لمواجهة الظلم والاستكبار .
وبهذه السردية لم تعد كربلاء مجرد مكان في العراق ، بل تحولت إلى رمز عابر للحدود يوظف في بناء التحالفات ، وصناعة الولاءات ، وتشكيل النفوذ الإقليمي .
غير أن قوة هذه الرواية لا تعود إلى الخطاب الرسمي وحده ، بل أيضا إلى قابلية المجتمعات لاحتضان الرموز التي تمنحها معنى في أوقات الأزمات .
فعندما يشعر الإنسان بالعجز أمام واقعه ، يصبح أكثر استعدادا للتشبث برمز يؤكد له أن الألم ليس عبثا ، وأن التضحية ليست بلا جدوى ، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت . وهنا يلتقي البعد الروحي بالبعد السياسي ، فيصبح الرمز الديني مساحة للأمل ، كما يمكن أن يتحول إلى أداة فعالة للتعبئة .
ومع ذلك ، فإن هذا النموذج ليس حكرًا على إيران . فالتاريخ الإنساني زاخر بدول وحركات سياسية استثمرت في الذاكرة الجماعية ، وفي الأبطال والرموز المؤسسة ، لتبرير سياساتها أو توحيد شعوبها أو توسيع نفوذها .
فالإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها ، بل بالروايات التي تمنح تلك الوقائع معنى وتحدد موقعه داخلها .
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تبقى بعض الأحداث التاريخية حية بعد قرون طويلة ، بل كيف يعاد تأويلها وصياغتها باستمرار لتلبية حاجات الحاضر .
فالتاريخ ، حين يدخل ميدان السياسة ، لا يبقى ماضيا ساكنا ، بل يتحول إلى قوة فاعلة في صناعة المستقبل ، قد يُستثمر لبناء الأوطان وإلهام الشعوب ، وقد يُوظف أيضًا لإعادة تشكيل موازين النفوذ ورسم الأهداف التي تسعى إليها السلطة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية