تونس 38°C

3 جوان 2026

تونس 38°C

3 جوان 2026

الإمارات … حين يتحول التسامح من شعار إلى مشروع حضاري .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في عالمنا اليوم الذي تتصاعد فيه الخلافات و الانقسامات ، و تزداد فيه الحواجز بين المجتمعات والثقافات ، تبدو الحاجة إلى لغة جديدة تعيد للإنسانية قدرتها على الحوار والتفاهم أكثر إلحاحا من أي زمن مضى .
في هذا السياق، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تقديم تجربتها الخاصة في بناء نموذج يقوم على التسامح والتعايش والانفتاح على الآخر ، ليس باعتبارها مفاهيم نظرية ، بل كخيارات عملية في إدارة المجتمع وصناعة المستقبل .
تأتي استضافة العاصمة الاماراتية أبوظبي اليوم لأعمال المؤتمر الدولي الثالث لحوار الحضارات والتسامح 2026 تحت شعار “ تأثير الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي على الأسرة والمجتمع ”، لتؤكد أن الإمارات تنظر إلى التسامح باعتباره قضية إنسانية مرتبطة بتحولات العصر ، وبالقدرة على توظيف التكنولوجيا والإعلام في خدمة الإنسان لا في زيادة الانقسام بين البشر .
هذا المؤتمر، الذي يجمع مسؤولين وصناع قرار و أكاديميين وقادة مؤسسات دينية وإعلامية من مختلف أنحاء العالم ، يعكس رؤية إماراتية تعتبر أن الحوار بين الحضارات لم يعد ترفا فكريا ، بل أصبح ضرورة للحفاظ على الاستقرار وبناء مجتمعات أكثر تماسكا في زمن تتغير فيه أنماط التواصل والتأثير .
لقد اختارت الإمارات منذ سنوات أن تجعل من التعدد الثقافي والاجتماعي جزءا من هويتها الحديثة .
ففي بلد يعيش فيه أناس من عشرات الجنسيات والثقافات ، أصبح التعايش اليومي تجربة حية ، تقوم على احترام الاختلاف و تحويل التنوع إلى عنصر قوة وليس إلى مصدر صراع .
اللافت في التجربة الإماراتية أنها لم تكتفِ برفع خطاب التسامح ، بل عملت على إنشاء مؤسسات ومبادرات تهدف إلى ترسيخ هذه الثقافة ، وإيجاد مساحات تجمع بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة ، في محاولة لتقديم نموذج يرى أن الانفتاح على الآخر لا يعني فقدان الهوية ، بل يمكن أن يكون طريقا لتعزيزها .
ومن هنا تأتي أهمية احتضان مؤسسات مثل مركز باحثي الإمارات للبحوث والدراسات وبيت العائلة الإبراهيمية ، بالشراكة مع جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية ، لهذا النوع من الحوارات التي تربط القيم الإنسانية بالتحديات الجديدة ، خصوصا في ظل صعود الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وقدرتهما الهائلة على تشكيل الوعي العام .
فالمعركة الحقيقية في عصر التكنولوجيا لم تعد فقط حول امتلاك المعرفة ، بل حول كيفية استخدامها .
فالإعلام الجديد يمكن أن يكون جسرا للتقارب بين الشعوب ، كما يمكن أن يتحول إلى أداة لنشر سوء الفهم والكراهية إذا غابت عنه المسؤولية الأخلاقية .
ولذلك فإن ربط المؤتمر بين الذكاء الاصطناعي والأسرة و المجتمع يكشف إدراكا عميقا بأن مستقبل الإنسانية سيُبنى أيضا داخل فضاءات التواصل الحديثة .
إن تجربة الإمارات في التسامح تقدم رسالة سياسية وثقافية مفادها أن قوة الدول لا تُقاس فقط باقتصادها أو ببنيتها التحتية أو بمشاريعها الكبرى، بل أيضاً بقدرتها على صناعة بيئة إنسانية تجعل الاختلاف فرصة للتعارف وليس سببا للعداء.
ومع مشاركة آلاف الحضور من أكثر من مئة و عشرين دولة ، يصبح هذا المؤتمر منصة عالمية لا لمناقشة الأفكار فقط ، بل لإنتاج مبادرات ورؤى عملية تساعد على بناء مجتمعات أكثر وعيا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل .
لقد نجحت الإمارات في تقديم نفسها كمساحة تلتقي فيها الثقافات ، و كجسر بين الشرق والغرب ، وكدولة تراهن على أن التسامح ليس ضعفا ولا تنازلا ، بل قوة حضارية تحتاجها البشرية في زمن الأزمات .
وفي النهاية، ربما تكون القيمة الأهم في هذه التجربة أن التسامح عندما يصبح ممارسة يومية ومؤسسات ومشاريع ، يتحول من كلمة جميلة إلى طاقة قادرة على تغيير المجتمعات و صناعة مستقبل افضل .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية