تونس 29°C

4 جوان 2026

تونس 38°C

4 جوان 2026

قلعة الشقيف من جديد … حين يدفع لبنان ثمن حرب لا يملك قرارها .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم يكن رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف، أو ” بوفور ” كما تسميها إسرائيل ، مجرد مشهد عسكري عابر في خضم الحرب المشتعلة ، بل كان لحظة محمّلة بثقل التاريخ والرموز ، أعادت إلى ذاكرة اللبنانيين صورا من عقود طويلة من الاحتلال والصراع والدمار .
فهذه القلعة التي تقف شامخة فوق تلال الجنوب منذ قرون ، وشهدت تعاقب حضارات وجيوش وإمبراطوريات ، من الصليبيين إلى الأيوبيين والمماليك والعثمانيين والفرنسيين والفلسطينيين والإسرائيليين ، تبدو اليوم شاهدا جديدا على مأساة لبنان المفتوحة ، حيث تتغير القوى المتصارعة وتتبدل العناوين ، فيما يبقى الوطن ساحة لصراعات تتجاوز حدوده .
إن تاريخ قلعة الشقيف يلخص حقيقة جغرافية وسياسية قاسية : جنوب لبنان لم يكن يوما مجرد منطقة حدودية ، بل كان نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متشابكة .
غير أن المأساة الأعمق لا تكمن في الموقع الجغرافي وحده ، بل في عجز لبنان المتواصل عن امتلاك قرار وطني مستقل يحرّر أرضه وشعبه من أن يكونا رهينة لحسابات الآخرين .
ما يحدث اليوم في الجنوب يعيد إنتاج هذه المعادلة المؤلمة .
فإسرائيل تواصل حربا عنيفة ، تضرب المدن والقرى ، وتلحق دمارا واسعا بالبنية التحتية ، وتهجّر السكان ، متسلحة برؤية أمنية تعتبر أن إنهاء الخطر القادم من حدودها الشمالية يبرر استخدام أقصى درجات القوة ، مهما كان الثمن الإنساني .
في المقابل ، يواصل حزب الله خوض مواجهته العسكرية وفق حساباته الخاصة ، رغم أن نتائج هذه المواجهة تنعكس مباشرة على لبنان وشعبه .
فمنذ سنوات، أصبح سلاح الحزب مرتبطا بصراعات إقليمية أوسع من الساحة اللبنانية ، وتحول الجنوب مرة أخرى إلى خط مواجهة مفتوح بين إيران وإسرائيل ، بينما يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع قاس : دفع ثمن حرب لم يكونوا أصحاب قرارها .
لقد أثبتت التجارب المتراكمة في المنطقة أن التفوق العسكري ، مهما بلغ حجمه ، لا يستطيع وحده إنهاء الصراعات .
فالقوة قد تغيّر موازين ميدانية ، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب السياسية والتاريخية التي تنتج الأزمات .
كما أن استمرار منطق المواجهة المفتوحة لا يؤدي إلا إلى إعادة تدوير المأساة جيلا بعد جيل .
وفي الوقت نفسه ، فإن العودة إلى ما قبل الحرب ليست حلا .
فالمعادلات القديمة التي أبقت لبنان في دائرة التوتر لم تكن سوى تأجيل للأزمة ، لا إنهاء لها .
ولذلك يجد لبنان اليوم نفسه أمام لحظة مصيرية : إما الاستمرار في دوامة الحروب والاستنزاف ، أو إطلاق مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بامتلاك قرار السلم والحرب .
إن الخطر الأكبر الذي يهدد لبنان لا يتمثل فقط في القصف أو العمليات العسكرية ، بل في أن يتحول اللبنانيون إلى متفرجين على مصير بلدهم ، ينتظرون ما ستقرره القوى الإقليمية والدولية .
فالأوطان لا تستعيد عافيتها حين تصبح مسرحا للآخرين ، ولا تبني سيادتها إلا عندما يكون قرارها نابعا من إرادة أبنائها .
من هنا ، فإن أي مستقبل مستقر للبنان يبدأ من مقاربة مختلفة : حماية الجنوب لا تكون فقط بإخراج أي قوة خارجية ، بل بإعادة حضور الدولة اللبنانية الكامل ، سيادة وسلطة وقرارا . فاستمرار الوضع القائم لن ينتج إلا مزيدا من الجراح ، ومزيدا من الدمار ، ومزيدا من القلاع التي تتحول إلى شواهد على انتصارات عسكرية مؤقتة وهزائم وطنية متكررة .
ستبقى قلعة الشقيف واقفة فوق الجنوب ، لا كشاهد على الحروب فقط ، بل كرسالة عميقة : أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده ، بل يحميها أولاً قرار مستقل ، ودولة قوية ، وشعب لا يسمح بأن يُكتب تاريخه بيد الآخرين .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية