تونس 30°C

25 جوان 2026

تونس 38°C

25 جوان 2026

حين يصبح الماء هدفا : إيران ومحاولة ضرب شريان الحياة في الخليج .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في خضمّ التصعيد العسكري المتزايد في منطقة الخليج العربي ، تحاول إيران تسويق عملياتها العسكرية على أنها ردّ موجّه ضد القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة .
غير أن طبيعة الأهداف التي طالتها الهجمات خلال الأيام الأخيرة تكشف صورة مغايرة تماما . فالقصف لم يقتصر على منشآت عسكرية ، بل امتدّ ليطال بنى تحتية مدنية وحيوية تشكّل أساس الحياة اليومية في دول الخليج : من مجمّعات الطاقة ومراكز البيانات ، وصولا إلى منشآت تحلية المياه .
في الثامن من مارس ، استهدفت طائرة مسيّرة إيرانية محطة لتحلية المياه في البحرين .
قد يبدو هذا الهدف للوهلة الأولى مجرد منشأة تقنية ، لكنه في الحقيقة شريان حياة بلد كامل .
فدول الخليج ، بحكم طبيعتها الجغرافية والمناخية القاسية ، تعتمد بشكل شبه كامل على تحلية مياه البحر لتأمين المياه العذبة لسكانها .
تضم المنطقة ما يقارب 400 محطة لتحلية المياه ، تمثل نحو 60 بالمائة من القدرة العالمية المركبة ، وتنتج قرابة 40 بالمائة من المياه المحلاة في العالم .
وفي بعض دول الخليج ، تتحول هذه التكنولوجيا إلى مسألة وجود لا مجرد خيار تقني .
فدولة قطر تعتمد بنسبة 99% على تحلية المياه لتلبية احتياجاتها المائية ، بينما تصل هذه النسبة إلى نحو 90 بالمائة في الكويت . أما المملكة العربية السعودية ، التي تمتلك أكبر قدرة لتحلية في العالم ، فتوفّر هذه المحطات حوالي 70 بالمائة من مواردها المائية ، في حين تؤمّن التحلية في الإمارات العربية المتحدة ما يقارب 42 بالمائة من احتياجات المياه .
لذلك و غيره ، فإن استهداف هذه المنشآت لا يمكن تفسيره باعتباره عملا عسكريا تقليديا . فاستهداف محطات التحلية يعني ببساطة استهداف الماء ذاته ، أي المورد الأكثر أساسية للحياة .
وهنا يتجاوز الأمر حدود المواجهة العسكرية مع قواعد أو منشآت استراتيجية ، ليصبح مساسا مباشرا بشروط حياة المجتمعات في دول الخليج .
فالماء ليس مجرد حاجة بيولوجية ، بل هو أيضا أساس الاستقرار الحضري والاقتصادي : من المستشفيات إلى الصناعة والسياحة.
والمفارقة أن النظام الإيراني يدرك جيدا هشاشته هو نفسه في مجال الأمن المائي . فقد أدت سنوات الجفاف المتتالية وسوء إدارة الموارد إلى استنزاف خطير لمخزون المياه في إيران .
حتى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حذّر في ديسمبر 2025 من اقتراب ما سُمّي بـ” اليوم صفر”، وهو اللحظة التي قد تجد فيها العاصمة طهران نفسها دون موارد مائية كافية . ودعا حينها سكان طهران وضواحيها، الذين يناهز عددهم خمسة عشر مليون نسمة ، إلى التفكير في مغادرة المدينة إذا تفاقمت الأزمة.
غير أن إدراك طهران لخطورة المسألة المائية لم يمنعها من استهداف هذا المورد الحساس لدى جيرانها .
فالهجوم على محطات التحلية يحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها أن البنية التحتية التي تقوم عليها حياة دول الخليج يمكن أن تتحول إلى هدف مباشر في الصراع .
لكن في المقابل، لم تكن دول الخليج غافلة عن هذا النوع من المخاطر. فقد عملت خلال العقود الماضية على بناء منظومات متقدمة للأمن المائي ، شملت احتياطيات استراتيجية ضخمة من المياه .
فدولة قطر، على سبيل المثال، تمتلك شبكة هائلة من الخزانات قادرة على تخزين نحو عشرة ملايين متر مكعب من المياه الصالحة للشرب .
كما أطلقت الإمارات مشروع ليوا للتخزين الاستراتيجي و استعادة المياه ، الذي يتيح تخزين نحو 23 مليون متر مكعب من المياه المحلاة في طبقات جوفية، لتأمين الإمدادات في حالات الطوارئ .
كما دفعت التجارب السابقة، وخاصة خلال حرب الخليج ، دول المنطقة إلى تطوير خطط متقدمة لإدارة المخاطر المرتبطة بتعطل المنشآت الحيوية أو تلوث المياه .
وتشمل هذه الخطط أنظمة مراقبة دقيقة للتيارات البحرية ، وتقنيات متطورة لمعالجة الملوثات ، إضافة إلى إجراءات حماية عسكرية للبنى التحتية الحساسة .
ومع ذلك تبقى الحقيقة الأساسية واضحة : حين يصبح الماء هدفا في الصراعات الإقليمية ، فان الأمر يتجاوز منطق الحرب التقليدية .
فالقصف الذي يطال محطات التحلية لا يستهدف الجيوش بقدر ما يستهدف حياة و مصير المجتمعات نفسها ، لأنه يمسّ المورد الذي تقوم عليه الحياة والاستقرار.
ومن هنا يفرض سؤال نفسه في نهاية هذا المشهد المقلق : هل نحن أمام تصعيد عسكري عابر ، أم أن النظام الإيراني يتجه نحو منطق أكثر خطورة يقوم على استهداف البنية الحيوية للحياة ؟ وبعبارة أخرى، هل نحن بصدد تحول في طبيعة الصراع الإقليمي نحو حرب مدمرة تستهدف شروط العيش نفسها بما يعني القضاء على شعوب ؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية