ا
بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن مفاجئا أن يستحضر الشيخ نعيم قاسم ، نائب الأمين العام لحزب الله، واقعة كربلاء في خطابه يوم 15 أغسطس بمناسبة عاشوراء.
المواجهة التي يخوضها الحزب ضد دعوات نزع سلاحه ، في نظره، لا تقلّ قداسة عن وقوف الحسين في وجه جيش يزيد عام 680.
الرسالة جاءت صريحة واضحة : السلاح ليس مجرّد أداة قتال، بل هوية ووجود، و ” المقاومة لن تتخلى عنه ما دام العدوان قائما ” .
لكن تحويل السياسة إلى لاهوت، والمعركة إلى عقيدة خلاص، فجّر موجة انتقادات واسعة في الداخل اللبناني . رئيس الوزراء نواف سلام قرأ في الخطاب تهديدا مبطنا بحرب أهلية جديدة، بينما وجد فيه خصوم الحزب من سمير جعجع إلى أشرف ريفي فرصة متجددة للضغط من أجل نزعه من سلاحه ، أسوة بالميليشيات الأخرى التي جرى تفكيكها بعد الحرب الأهلية. بالنسبة لهؤلاء، إنها اللحظة الأنسب لكسر هيمنة الحزب على الدولة.
غير أنّ المسألة أعمق من سجال سياسي. فهي تكشف مأزقا وجوديا يعيشه المجتمع الشيعي برمّته.
هناك تيار واسع يرى أنّ السلاح هو الضمانة الأخيرة ضد التهميش الداخلي، وضد خطر الإبادة في ظل صعود خطاب ” إسرائيل الكبرى ” . في المقابل، يعلو صوت آخر من داخل الطائفة نفسها، يعبّر عن إرهاق جماعي وضيق من الحروب التي لا تنتهي، وعن شعور بالخذلان بعد اغتيال حسن نصر الله في سبتمبر 2024، حين سقطت هالة الحزب و كُشف حجم هشاشته.
هذا الانقسام الداخلي يتغذّى من تحولات إقليمية عاصفة. سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، وصعود قوى سنية إلى السلطة في دمشق، جعلا حزب الله يشعر بأن الطوق يضيق حوله.
لم تعد المواجهة مقتصرة على الجنوب، بل امتدت إلى الشرق، حيث حدود سوريا المتحوّلة. ومع ذلك، يظل الخطر الأكبر في الداخل اللبناني نفسه : خطاب طائفي متصاعد يضع الشيعة في خانة ” العمالة لإيران ” ويصل أحيانا إلى حدّ الدعوة لطردهم من الوطن.
في مواجهة هذا الواقع، يضع الحزب خطوطا حمراء لأي نقاش حول سلاحه : انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب، تحرير الأسرى، وضمان عفو شامل لمقاتليه.
لكن الضغوط الداخلية تتزايد، إذ لم يعد ممكنا تجاهل أصوات شيعية تطالب بالمحاسبة على الأداء العسكري والسياسي، وبخطة واضحة لإعادة إعمار الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، وهي عملية قدّرت كلفتها بعشرة مليارات يورو وفق البنك الدولي.
هنا تحديدا ، يطلّ نبيه بري، زعيم حركة أمل ورئيس البرلمان، كآخر الحلقات الضامنة لتماسك الصف الشيعي.
مهمته تبدو شبه مستحيلة : التوفيق بين حزب الله المثقل بالضغوط وبين المجتمع الدولي المطالب بنزع السلاح، مع الحفاظ على وحدة الطائفة كشرط لبقاء ثقلها السياسي.
الخلاصة أنّ معركة السلاح في لبنان تجاوزت كونها ملفا أمنيا أو سياسيا . إنها معركة هوية ووجود للطائفة الشيعية، يتداخل فيها التاريخ بالعقيدة، والخوف بالسياسة، والداخل بالتحولات الإقليمية. وبين خطاب ” كربلاء ” الذي يرفعه الحزب، وصرخة التعب التي تخرج من بعض أبناء الطائفة، يبقى السؤال معلقا : هل يظل السلاح ضمانة للبقاء، أم يتحوّل عبئا يقود إلى عزلة قاتلة وهلاك محتوم؟!.


