تونس 37°C

20 جوان 2026

تونس 38°C

20 جوان 2026

الصين وغزة: بين الشعارات المعلنة وحسابات المصالح !

ا

بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من مجازر إسرائيلية في غزة، رفضت بكين الانصياع لمطلب تل أبيب بتصنيف عمليات حركة ” حماس ” كأعمال إرهابية.
بل إن المستشار القانوني لوزارة الخارجية الصينية، ماشينمين، أكد أمام محكمة العدل الدولية في 22 فبراير 2024 أن ” جذور الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تكمن في الاحتلال الطويل للأراضي الفلسطينية ” ، مشددا على أن مقاومة الاحتلال وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ” حقوق ثابتة وغير قابلة للتصرف بموجب القانون الدولي ” .
هذا الموقف السياسي ترافق مع دعم صيني متواصل لكل المبادرات الأممية الداعية إلى وقف إطلاق النار.
في يوليو 2024، رعت بكين اتفاقا بين أربعة عشر فصيلا فلسطينيا ، من بينها ” فتح ” و ” حماس ” ، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، قبل أن تشارك لاحقا في قمة بوغوتا التي نظّمها ” تجمع لاهاي ” بحضور دول من الجنوب العالمي، في محاولة للانتقال من الأقوال إلى الأفعال ومواجهة سياسة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها إسرائيل .
ومع ذلك، امتنعت الصين عن التوقيع على البيان الختامي لتلك القمة، الذي نص على حظر توريد الأسلحة إلى إسرائيل .
السبب واضح: خلف خطاب التضامن الإنساني، تظل المصالح الاقتصادية حاضرة بقوة . فالصين هي ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل بعد الولايات المتحدة وأول مصدر لوارداتها، فيما تدير ” شركة موانئ شنغهاي الدولية ” منذ 2021 محطة حاويات في ميناء حيفا.
والسؤال هنا: هل تقف بكين فعلا إلى جانب تحرير فلسطين، أم أن خطابها محكوم قبل كل شيء ببراغماتية المصالح؟
التاريخ يظهر أن هذا التناقض ليس وليد اللحظة. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، دعمت الصين الثورة الفلسطينية، وكانت أول قوة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير عام 1965، حين اعتبر ماو تسي تونغ أن ” إسرائيل وتايوان هما قاعدتا الإمبريالية في آسيا ” . غير أن الانفتاح على الولايات المتحدة في السبعينيات، ثم سياسة ” الإصلاح والانفتاح ” التي أطلقها دنغ شياو بنغ بعد 1978، غيّرت الأولويات : من الصراع الأيديولوجي إلى التركيز على التنمية الاقتصادية. عندها تبنّت بكين حل الدولتين، وأقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 1992.
اليوم، ومع حرب مدمرة على غزة توصف بأنها إبادة جماعية، تبدو الصين مترددة في الذهاب أبعد في مواقفها.
الباحث الفرنسي برونو غيغ يفسر ذلك بأن بكين لا تريد التناقض مع نفسها: فهي ترفض استخدام التجارة كسلاح كما تفعل واشنطن، وبالتالي لا تستطيع فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل. ومع ذلك، يلاحظ بعض المحللين مؤشرات ضغط غير معلنة، مثل تباطؤ الصادرات الصينية إلى تل أبيب بذريعة شروط ترخيص جديدة.
يقوم النهج الصيني على معادلة واضحة : لا تدخل عسكري، ولا انجرار إلى فخ الشرق الأوسط، مع التأكيد على أن شعوب المنطقة قادرة على إدارة شؤونها بنفسها.
فالصين تدرك أن واشنطن تنتظر انزلاقها إلى المستنقع نفسه الذي استنزف الولايات المتحدة لعقود دون نتائج تذكر. ولهذا، تسعى بكين إلى تكريس صورة ” القوة المسؤولة غير المنحازة ” ، التي تفضل التنمية والشراكة على المغامرات العسكرية.
أولوية الصين القصوى تبقى الحفاظ على الاستقرار الداخلي وضمان استمرار النمو الاقتصادي، خصوصا في سياق حساس من المفاوضات التجارية الدولية. أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل قد تنعكس على علاقاتها المعقدة مع واشنطن وتضر بمصالحها الإستراتيجية.
لذلك، لم يصف المسؤولون الصينيون ولا الإعلام الرسمي حتى الآن ما يجري في غزة بـ ” الإبادة الجماعية ” ، رغم فداحة المأساة الإنسانية.
في النهاية، تكشف حرب غزة عن جوهر السياسة الصينية : تضامن لفظي يستند إلى إرث تاريخي من دعم الفلسطينيين، لكنه مشدود إلى براغماتية المصالح والاستقرار. سياسة توازن دقيق بين خطاب مبدئي ومصالح استراتيجية، بين دعم الشعب الفلسطيني وعدم التضحية بعلاقاتها مع إسرائيل أو الوقوع في مستنقع الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية