فرنسا في مأزق ماكرون … حين تتحوّل السلطة إلى أزمة ديمقراطية .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد أزمة الرئيس إيمانويل ماكرون مجرّد تراجع في الشعبية أو تعثّر في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية ، بل تحوّلت إلى أزمة حكم عميقة تكشف اختلال العلاقة بين السلطة والمجتمع ، وتضع أسس الجمهورية الفرنسية أمام اختبار سياسي وديمقراطي بالغ الحساسية .
فالرئيس الذي وصل إلى قصر الإليزيه واعدًا بتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار ، يجد نفسه أمام مشهد سياسي أكثر استقطابًا ، ومجتمع تتسع فيه مشاعر الإحباط ، ومؤسسات تواجه تراجعًا في الثقة والقدرة على الإقناع .
لقد راهن ماكرون على مركزية القرار، وعلى قوة السلطة التنفيذية في فرض الإصلاحات وتجاوز مقاومة المصالح التقليدية، معتقدًا أن الحسم السياسي يمكن أن يعوّض ضعف التوافق .
غير أن التجربة أظهرت أن القرارات ، مهما كانت مبرّراتها الاقتصادية ، لا تكتسب شرعيتها الاجتماعية بمجرد صدورها ، وأن الإصلاح الذي لا يجد طريقه إلى الحوار والإقناع قد يتحوّل إلى مصدر للاحتقان بدل أن يكون مدخلا للتغيير .
فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع فرض إرادتها فحسب ، بل تلك التي تحظى بثقة مواطنيها ، وتحترم المؤسسات الوسيطة ، وتمنح المجتمع شعورا حقيقيا بأنه شريك في صناعة مستقبله ، لا مجرّد متلقٍّ لقرارات تُتخذ باسمه .
ومن حركة ” السترات الصفراء ” إلى الاحتجاجات المرتبطة بالقدرة الشرائية والتقاعد وفرص العمل ، مرورا بمخاوف الشباب من انسداد الآفاق الاجتماعية ، تتكشف ملامح أزمة تتجاوز المطالب الظرفية إلى سؤال العدالة والتمثيل والمساواة في تحمّل الأعباء . فحين يشعر المواطن بأن كلفة الإصلاح تقع أساسًا على كاهله ، بينما تبدو النخب السياسية والاقتصادية بعيدة عن معاناته اليومية ، يتراجع الإيمان بجدوى المؤسسات ، ويتحوّل الغضب الاجتماعي تدريجيا إلى أزمة سياسية تمسّ شرعية الخيارات المتبعة .
ولا يمكن اختزال هذه الأزمة في اضطرابات الشارع أو التعامل معها باعتبارها مسألة أمنية فحسب .
فحماية النظام العام مسؤولية أساسية للدولة ، لكن استعادة الاستقرار لا تتحقق بالقوة وحدها ، ولا يجوز أن تصبح مواجهة التجاوزات مبررا للتضييق على الحريات أو المساس بحق الاحتجاج السلمي .
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على فرض القانون، بل أيضًا بقدرتها على تطبيقه بعدالة ، وحماية الحقوق ، والاستماع إلى الأصوات التي تعترض على سياساتها .
وفي ظل تراجع الثقة بالوسط السياسي وتآكل الوعود الإصلاحية ، تجد القوى الشعبوية والقومية فرصة لتوسيع نفوذها ، مستفيدة من مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع ومن شعورها بأن النخب الحاكمة لم تعد تعبّر عن أولوياتها .
وهنا تكمن المفارقة : فالمشروع الذي أراد إضعاف الاستقطاب التقليدي انتهى إلى بيئة سياسية أكثر هشاشة ، تتقدم فيها خطابات الغضب والرفض ، وتتراجع فيها مساحة التوافق .
لكن مواجهة هذا المسار لا تكون بتخويف الناخبين من البدائل ، ولا بإدانة كل أشكال المعارضة ، وإنما باستعادة الثقة عبر سياسات ملموسة ، مع التمييز بين التنافس الديمقراطي المشروع والخطابات التي تجعل كراهية الأجانب والإقصاء أساسًا للمشروع السياسي .
ولا تقف تداعيات المأزق الفرنسي عند الحدود الوطنية ، بل تمتد إلى مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه .
ففرنسا ليست دولة عادية في المعادلة الأوروبية ، بل هي إحدى ركائزها السياسية والاستراتيجية .
وأي اهتزاز طويل في استقرارها الداخلي ينعكس على قدرتها على التأثير في القرارات الأوروبية ، وعلى التوازن بين متطلبات الانضباط المالي وضرورات العدالة الاجتماعية ، وبين حماية المصالح الوطنية والوفاء بالتزامات التضامن الأوروبي .
ومع ذلك، لا يمكن تعليق الإخفاقات الداخلية على الضغوط الدولية وحدها ، فالتحديات الاقتصادية والمالية تضيق هامش الخيارات ، لكنها لا تعفي القيادة السياسية من مسؤولية قراراتها ولا من واجب الخضوع للمساءلة .
إن المطلوب اليوم ليس ترميم صورة ماكرون أو البحث عن انتصار سياسي ظرفي يعيد ترتيب المشهد ، بل مراجعة أعمق لنموذج الحكم الذي جسّده .
مراجعة تعيد إلى البرلمان دوره في صناعة القرار والرقابة ، وتمنح النقابات والمجتمع المدني مكانتهما في الحوار الوطني ، وتوزّع أعباء الإصلاح بصورة أكثر عدالة ، وتفتح أمام المواطنين ، ولا سيما الشباب ، آفاقًا حقيقية للمشاركة والتأثير. فالانتخابات ، على أهميتها ، لا تكفي وحدها لاستعادة الثقة إذا ظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة على التفويض المؤقت بدل الحوار المستمر، وعلى الاحتكام إلى الأرقام بدل الإنصات إلى نبض المجتمع .
إن مأزق ماكرون يتجاوز شخص الرئيس ومستقبله السياسي ، ليطرح سؤالا أكبر يتعلق بمستقبل الجمهورية الفرنسية وقدرتها على تجديد عقدها الديمقراطي .
فحين تتراجع قدرة السلطة على الإقناع، يصبح الإصرار على النهج ذاته مخاطرة قد توسّع الهوة بينها وبين المجتمع، فيما يظل الإصغاء إلى المواطنين والاعتراف بمخاوفهم مدخلًا أساسيًا لاستعادة التوازن .
بين جمهورية تجدّد روحها الديمقراطية، وتعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية ، ومشهد تملأ فيه قوى الخوف والإقصاء الفراغ الذي خلّفه تراجع الثقة ، تقف فرنسا أمام مفترق طرق حقيقي .
والرهان لم يعد مجرّد إنقاذ ولاية رئاسية أو احتواء أزمة عابرة ، بل حماية النموذج الجمهوري من التآكل ، وإثبات أن الديمقراطية قادرة على تصحيح أخطائها من داخل مؤسساتها.
فالدولة لا تفقد قوتها حين تصغي إلى مواطنيها ، بل حين تعجز عن فهمهم . والسلطة لا تثبت شرعيتها بمجرد امتلاك القرار ، بل بقدرتها على إقناع المجتمع بعدالة خياراتها.
تلك هي الرسالة الأعمق التي يطرحها مأزق ماكرون : إن السياسة ليست حكما من أعلى، بل عقدا متجدّدا من الثقة والمساءلة والإنصاف ، ومن دونه تصبح السلطة عبئا على الديمقراطية بدل أن تكون ضمانة لاستمرارها .
