38°C تونس
25/10/2026
الشباب العُماني … من طموح الأجيال إلى صناعة المستقبل .
أراء وأفكار

الشباب العُماني … من طموح الأجيال إلى صناعة المستقبل .

أكتوبر 25, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست الأمم التي تصنع المستقبل هي تلك التي تنتظر ما تحمله الأيام ، بل تلك التي تُعدّ أجيالها لصناعته .
ومن هذه الحقيقة تكتسب مناسبة يوم الشباب العُماني ، في السادس والعشرين من أكتوبر من كل عام ، دلالتها العميقة ، فهي ليست مجرد احتفاء بجيل يحمل أحلامه وتطلعاته ، بل تجديد للإيمان بقدرة الإنسان على تحويل الطموح إلى إنجاز ، والمعرفة إلى إنتاج ، والإبداع إلى قوة تدفع الوطن نحو آفاق أرحب من التقدم والازدهار .
وفي عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والاقتصادية ، وتتزايد فيه المنافسة على امتلاك المعرفة والابتكار ، لم يعد الشباب مجرد رصيد بشري تستند إليه الدول ، بل أصبحوا أحد أهم محددات قدرتها على التكيف والتجدد وصناعة المكانة في المستقبل .
ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب العُماني ليس استجابة لمتطلبات مرحلة عابرة ، بل خيار استراتيجي يتصل بمستقبل السلطنة ، وبقدرتها على بناء اقتصاد متنوع، ومجتمع معرفي ، ودولة تستثمر في طاقات أبنائها بقدر ما تستثمر في مواردها وإمكاناتها .
وتكتسب هذه المناسبة معناها الوطني في ظل مسيرة النهضة المتجددة بقيادة السلطان هيثم بن طارق ، وفي ضوء الطموحات التي ترسمها رؤية عُمان 2040 ، حيث يحتل الإنسان موقع القلب من مشروع التنمية وغاياتها .
فالمستقبل الذي تتطلع إليه السلطنة لا يمكن أن تصنعه المشروعات والبنى التحتية والاستثمارات وحدها ، مهما بلغت أهميتها ، بل يحتاج إلى عقول مبدعة، وكفاءات مؤهلة ، وشباب يمتلكون الثقة في قدراتهم ، ويجدون أمامهم المجال لتحويل أفكارهم إلى مبادرات ، ومبادراتهم إلى إنجازات ذات أثر اقتصادي واجتماعي مستدام .
ولعل ما يمنح هذا التوجه بعدا عمليا هو تنامي الاهتمام ببناء الأطر المؤسسية التي تحتضن طاقات الشباب وتفتح أمامهم مسارات جديدة للتعلم والمبادرة والابتكار . وفي هذا السياق ، يبرز المرسوم السلطاني رقم 38/2026 المتعلق بإنشاء مركز الشباب وتحديد نظامه ، وفق المعطيات الواردة ، بوصفه محطة في مسار تنظيم العمل الشبابي وتعزيز حضوره المؤسسي .
كما تعكس البيانات المعلنة عن نشاط المركز اتساع نطاق برامجه ، إذ تعامل مع 1525 مؤسسة صغيرة ومتوسطة خلال الفترة الممتدة من عام 2022 إلى نهاية الربع الثالث من عام 2026 ، ونفّذ 457 برنامجا تدريبيا ، فيما تجاوز إجمالي المستفيدين من برامجه ومساحاته 627 ألفا .
هذه الأرقام ، بما تحمله من دلالات على اتساع النشاط وتنوع مجالاته ، تفتح الباب أمام سؤال جوهري يتجاوز حجم البرامج وعدد المستفيدين : كيف يمكن تحويل هذا الحراك إلى نتائج طويلة الأمد ؟ وكيف تنتقل المبادرات من مرحلة التدريب والاحتضان إلى مشروعات قادرة على النمو والمنافسة وخلق فرص العمل ؟ فنجاح السياسات الشبابية لا يُقاس بكثرة الأنشطة وحدها ، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة الشباب ، وتوسيع خياراتهم ، وتمكينهم من بناء مسارات مهنية وإنتاجية مستقرة .
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لسياسات التمكين . فالشاب الذي يمتلك فكرة مبتكرة يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التمويل والتوجيه والخبرة والوصول إلى الأسواق ، والخريج الذي اكتسب المعرفة يحتاج إلى فرص عادلة تتيح له إثبات كفاءته ، والمبدع يحتاج إلى مؤسسات تؤمن بموهبته وتمنحه الأدوات اللازمة لتطويرها وتحويلها إلى قيمة مضافة .
وبين امتلاك القدرة وتوافر الفرصة تتحدد قدرة المجتمع على الاستفادة من طاقاته ، فكم من فكرة واعدة تعطلت بسبب غياب التمويل، وكم من كفاءة بقيت بعيدة عن مسار الإنتاج لأن الطريق إلى الفرصة لم يكن ممهداً أمامها.
لذلك ، فإن الرهان على الشباب العُماني يقتضي الانتقال من مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين ، ومن توفير البرامج إلى بناء منظومة متكاملة تتيح للشباب التعلم والتجربة والمخاطرة المحسوبة والنجاح .
فالتمكين الحقيقي لا يصنع جيلاً ينتظر الفرص ، بل جيلا يمتلك الأدوات اللازمة لابتكارها ، ولا يكتفي بتأهيل الشباب لوظائف المستقبل ، بل يساعدهم أيضا على ابتكار وظائف جديدة ، وتأسيس مشروعات قادرة على المنافسة ، والمساهمة في تطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة .
وفي هذا الإطار ، تبرز ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي بوصفهما مجالين مهمين لتوسيع مشاركة الأجيال الجديدة في التحول الاقتصادي .
فالتكنولوجيا تتيح للشباب فرصا لتطوير حلول مبتكرة ، وبناء مشروعات قابلة للتوسع ، والوصول إلى أسواق تتجاوز الحدود الجغرافية .
كما يفتح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والتقنيات الحديثة آفاقا جديدة أمام الكفاءات العُمانية ، شريطة أن يقترن بتعليم نوعي ، وتدريب مستمر ، وبيئة تشجع البحث والتطوير ، وتربط المؤسسات التعليمية باحتياجات الاقتصاد .
ولا يكفي في هذا السياق أن يكون الشباب مستهلكين للتكنولوجيا أو مستخدمين لأدواتها ، بل ينبغي أن تتاح لهم الفرصة للمشاركة في إنتاجها وتطوير تطبيقاتها وتوظيفها في معالجة التحديات الوطنية . فالفارق بين مجتمع يواكب التحول الرقمي ومجتمع يسهم في قيادته يكمن في قدرته على إنتاج المعرفة ، وتطوير الحلول ، وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية .
وهذه هي المساحة التي يمكن أن يثبت فيها الشباب العُماني قدرتهم على الجمع بين الكفاءة العلمية وروح المبادرة والطموح إلى المنافسة عالميا .
غير أن صناعة المستقبل لا تختزل في الاقتصاد والتكنولوجيا وحدهما .
فالثقافة والهوية والوعي الحضاري عناصر أساسية في بناء الإنسان القادر على الانفتاح من دون ذوبان ، وعلى التجديد من دون قطيعة مع جذوره .
وتمتلك سلطنة عُمان رصيدا تاريخيا وحضاريا يمنح شبابها فرصة مميزة للإسهام في التعريف ببلادهم ، وإبراز خصوصيتها الثقافية ، وتقديم صورتها المعاصرة إلى العالم من خلال الأدب والفنون والإعلام والإبداع الرقمي .
إن الشاب الذي يعتز بهويته ، ويحسن أدوات العصر ، وينفتح على الثقافات الأخرى بثقة ووعي ، يستطيع أن يجمع بين الأصالة والتجديد ، وأن يجعل من انتمائه مصدر قوة وإلهام .
ومن هنا، فإن دعم المواهب الثقافية والفنية والإعلامية ليس ترفا أو نشاطا مكملا لمسار التنمية ، بل استثمار في القوة الناعمة للسلطنة ، وفي قدرة أجيالها الجديدة على بناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب .
وعلى المستوى الاجتماعي والوطني ، فإن نجاح مشروع التمكين يرتبط كذلك بمدى قدرة المؤسسات على الإصغاء إلى الشباب وإشراكهم في صياغة السياسات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم .
فالأجيال الجديدة لا تريد أن تكون مجرد متلقية للقرارات أو مستفيدة من البرامج، بل تتطلع إلى أن تكون شريكا في تحديد الأولويات ، واقتراح الحلول ، وتحمل المسؤولية . وهذا يتطلب توسيع مساحات المشاركة، وتعزيز الثقة المتبادلة ، وترسيخ ثقافة تقوم على الكفاءة والمبادرة والمساءلة .
فالثقة بالشباب لا تعني إعفاءهم من المسؤولية ، كما أن تمكينهم لا يعني الاكتفاء بتقديم الدعم لهم ، بل يعني منحهم الفرصة لإثبات قدراتهم ، وتحمل نتائج اختياراتهم ، والتعلم من التجربة ، والتقدم على أساس الجدارة .
وعندما تلتقي ثقة المؤسسات بحيوية الشباب ، وتتكامل الخبرة مع روح المبادرة، تصبح التنمية مشروعا وطنيا مشتركا تتوزع فيه المسؤوليات وتتسع فيه دوائر المشاركة والإنجاز .
وتظل العدالة في توزيع الفرص أحد الشروط الحاسمة لنجاح هذا الرهان . فالموهبة لا ترتبط بمحافظة دون أخرى ، ولا يحتكر الإبداع مركز حضري بعينه .
ومن ثم، فإن توسيع برامج التدريب والتمويل والاحتضان لتشمل مختلف محافظات السلطنة ، مع مراعاة خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية ، من شأنه أن يحرر طاقات كامنة، ويمنح الشباب فرصا أكثر تكافؤا ، ويجعل التنمية أقرب إلى احتياجات المجتمع وأكثر قدرة على الاستفادة من تنوع موارده وكفاءاته .
كما أن معالجة التحديات التي تواجه الشباب في الانتقال من التعليم إلى العمل ، وفي الحصول على التمويل ، وفي تأسيس المشروعات واستدامتها ، تستدعي تنسيقا مستمرا بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات المجتمع . فالمسؤولية عن صناعة الفرص لا تقع على جهة واحدة ، وإنما تتطلب شراكة تضمن مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل ، وتشجع الاستثمار في الكفاءات الوطنية ، وتفتح المجال أمام المبادرات القادرة على خلق القيمة وفرص التشغيل .
وفي يوم الشباب العُماني ، تبدو الحقيقة الأهم أن المستقبل لا ينتظر الأجيال الجديدة حتى يحين موعد تسلّمها المسؤولية ، فالمستقبل يُصنع اليوم ، في قاعات الدراسة ومختبرات البحث ، وفي المؤسسات الاقتصادية والمبادرات الثقافية والتطوعية، وفي كل مساحة يُمنح فيها الشاب فرصة ليقترح ويجرب ويبتكر وينجز. ومن هنا ، فإن تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 يرتبط بقدرة السلطنة على تحويل ثروتها البشرية إلى قوة معرفية وإنتاجية ، وعلى جعل طموح الشباب جزءا من مشروع وطني واضح المعالم ، تتكامل فيه السياسات مع المبادرات، والتخطيط مع التنفيذ، والرؤية مع النتائج .
إن الاحتفاء بالشباب لا تكتمل قيمته بالتحية والتكريم، مهما كانت أهميتهما، بل بما يرافقهما من التزام متجدد بتوفير بيئة تليق بقدراتهم وتستجيب لتحديات عصرهم. فالشباب لا يحتاجون إلى من يؤمن بأحلامهم فحسب، بل إلى من يساعدهم على تحويلها إلى واقع ، ولا يحتاجون إلى أبواب مفتوحة نظريا ، بل إلى مسارات واضحة وعادلة تتيح لهم الوصول إلى الفرص وإثبات الكفاءة وتحقيق الطموح .
ومن هنا، فإن الرهان على الشباب العُماني هو رهان على قدرة السلطنة على مواصلة نهضتها وتجديد أدواتها ، وعلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، ومجتمع أكثر معرفة ، ومؤسسات أكثر انفتاحا على الإبداع والمبادرة .
إنه رهان على جيل يستطيع أن يحمل إرث بلاده الحضاري بثقة ، وأن يواجه تحديات الحاضر بكفاءة ، وأن يشارك في رسم ملامح المستقبل بعقل منفتح وإرادة منتجة .
فالأوطان لا تصنع مستقبلها بما تمتلكه من موارد فحسب ، بل بما تمنحه لعقول أبنائها من فرص ، وبما تضعه بين أيديهم من أدوات، وبما تتيحه لهم من مساحات للمشاركة والابتكار. وشباب عُمان ليسوا مجرد أمل مؤجل أو وعد تنتظره السنوات القادمة ، بل طاقة حاضرة وشريك أساسي في صناعة التحول .
وحين يلتقي طموح الشباب بحكمة القيادة، وتتوافر الفرص مع الكفاءة، ويتحول الإبداع إلى إنتاج، تصبح التنمية أكثر رسوخا واستدامة. عندها لا يعود يوم الشباب العُماني مجرد مناسبة للاحتفاء بجيل واعد ، بل يصبح تجديداً للعهد بأن تكون الأجيال الجديدة في قلب المشروع الوطني ، وشريكا في إنجازه ، وصاحبة دور فاعل في كتابة فصل جديد من مسيرة عُمان ، فصل تتعانق فيه الهوية مع الانفتاح ، والمعرفة مع العمل ، والطموح مع الإنجاز ، ليكون المستقبل امتدادا مشرّفا لتاريخ السلطنة ، وانطلاقة أوسع نحو ما تستحقه من تقدم وازدهار .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *